تحالف وميثاق.. أم تطبيع وولاء؟
بقلم: هبة عنتر
في زمن يعجّ بالأزمات والنزاعات، وتتبدل فيه الاصطفافات تبدل الفصول، تبرز الحاجة الملحة لعقد التحالفات والمعاهدات. وأمام هذه الحاجة يبرز السؤال الجوهري: هل التحالف والولاء وجهان لعملة واحدة؟ ما الفرق وما الضوابط بينهما في ميزان الإسلام؟
وقبل الإجابة، لا بد من العودة إلى الجذر؛ إلى مفهوم “الولاء والبراء” في القراءة الإسلامية السياسية.
تعريف المفاهيم
إنّ الولاء علاقة قلبية قوامها المحبة والانتماء والتّبعية والنّصرة، فهي هوية وصبغة لا تحتمل التّنازل أو الحياد، وهي ما يتماسّ في عصرنا مع مفهوم “التطبيع” حين يتجاوز المصالح ليمسّ العقيدة والوجدان. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَد كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1].
أمّا التّحالف فهو اتفاق مصلحيّ مشروط، فيه تعاون مرحليّ بين أطراف متعددة قد لا تشترك في الرّؤية الاستراتيجية. وتحت مظلة التّحالف تندرج المواثيق والمعاهدات الّتي تشكّل الصّيغة الضّابطة للتّعاون، وتضمن احترامه، وتمنع خضوع طرف أو تذلّله.
الإسلام وسياسة التّحالف: الأداة الاستراتيجية
إنّ الإسلام شجرة مباركة ثابتة الجذور، جذعها التّوحيد، وأغصانها ممتدة في كلّ جوانب الحياة. وكلّما كان الفرع للأصل أقرب، كان أكثر التزاماً وثباتاً، وكلّما ابتعد زادت مساحة الاجتهاد فيه، شريطة أن يظلّ متصلاً بجذره ليبقى حياً.
لم يحارب الإسلام يوماً التحالفات، بل ضبطها بميزان العقيدة. فالدّارس للسّيرة النّبوية يرى معالم التّحالف والولاء واضحة؛ فالولاء لله ورسوله، والتّحالفات للتّمكين لا للتّذليل، فالنّبي ﷺ أشاد بـ “حلف الفضول” (الذي شهده قبل البعثة) وأقرّه بعدها، وعقد “صلح الحديبية” رغم ما فيه من تنازلات ظاهرة كانت تحمل في باطنها عزّة الأمة وتمكينها.
هذه الأمثلة دليل على مرونة الإسلام في التّعامل مع “المخالف” و”المختلف” مع الحفاظ على الهوية من الميوعة والسّيولة؛ فالتّحالف وسيلة للرفعة لا غاية في ذاته. {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ} [التوبة: 4].
الولاء والبراء: كيف شُوّهت المفاهيم؟
إنّ التّيه الّذي أصاب جسد الأمّة غبّش الرّؤية، فانكمش مفهوم “الولاء والبراء” إلى دفاع غريزيّ، وانقسم النّاس فيه بين إفراط وتعصب يشرعن العنف بالظّنّ، وبين تفريط يهادن الجميع ويسلّم سلام الذّليل خشية “الوصم” بمسميات التّطرف.
وبين الطّرفين، نادى الإسلام بالوسطية؛ فالولاء إيمان القلب وتصديق اللّسان وعمل الجوارح، يكون لله ورسوله وللمؤمنين. أمّا البراء فهو مفاصلة عقدية تضع حدوداً لسيادتك لكي يحترمها الآخر، ولا تعني بالضرورة الاعتداء أو الظلم. قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
تحالفات اليوم: قراءة نقدية
متى تنتهي “الحنكة” وتبدأ “التبعية” بمعايير سياسية واقعية:
إنّ الناظر بعين العقل يدرك حجم الشّروخ التي تنخر جسد الأمّة. ولا نُغفل هنا ما تعيشه بعض الدّول من إكراهات وضغوط قد تضيق معها الخيارات، غير أنّ هذا لا يرفع أصل المعيار ولا يبدّل حدوده. وهنا يبرز السؤال الجوهري: متى تنتهي “الحنكة” وتبدأ “التبعية”؟ إن الحنكة السياسية هي القدرة على المناورة لتحقيق مكاسب استراتيجية دون المساس باستقلال القرار، فهي وسيلة “تبادلية” لخدمة المصالح العليا وتوسيع الخيارات. أما التبعية، فتبدأ حين يتحول الطرف الأضعف إلى مجرد أداة لتنفيذ أجندات الطرف الأقوى مقابل “البقاء” فقط، وحين تُمحى الخطوط الفاصلة بين مصلحة الأمة ومطالب الحليف. لقد بات “الرّكون إلى الظّلم” يُسوَّق اليوم كحنكة، بينما هو في الحقيقة ارتهان للمسار وضياع للهوية خلف ستار “الواقعية” الزّائف.
فبينما تُباد غزة، ويُحاصر لبنان تحت ذرائع شتّى، يغيب التّفريق بين “الاضطرار السّياسيّ” وبين “المسارعة في الولاء”. إنّ الولاء في العقلية السّياسية المعاصرة بات مسألة تكتيكية تبررها الأبواق الإعلامية، لكنّ القارئ بعدسة القرآن يدرك أنّ التّحالف الذي يذلّ الأمّة ويُسقط كرامتها هو استسلام مغلَّف، مهما زيَّنه “سحرة القصر“.
بين الاتزان والذوبان
لم يكن الإسلام يوماً دين عزلة، بل هو دين حركيّ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، لذا فالسّبيل هو “التّعامل الرّاشد”؛ والتّمييز بين التّحالف المؤقت الذي يحقق نفعاً حقيقياً للأمّة، وبين ارتهان القرار الذي يركض خلف فضلات العدوّ. وكما قال ابن تيمية: “ليس العاقل من يميز الخير من الشر، ولكن من يعرف خير الخيرين، وشر الشرين”.
إنّ كلّ عهد لا يتفق مع معايير الإيمان ومصلحة الأمة الكلية، سيتحول عاجلاً أم آجلاً إلى مطية للأعداء ومنفذ لهم.
خاتمة: لمن القلب؟
اليوم وفي زمن ميوعة المفاهيم، لم يعد يكفي قادة الفكر أن يسألوا: “مَن نحالف؟”، بل السؤال الأهم: “لماذا نحالف؟”. وهل نسوّغ الارتهان باسم المصالح الوطنية؟ إنّ أي تحالف يجب أن يظل خاضعاً لمرجعية الوحي، يحفظ العزة ولا يطبّل للعدو.
ختاماً، الآية التي يجب أن تُعلّق في قلب كل صاحب قرار: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام].