يوم الزّينة: عيدنا… مفاصلة لا ترف
بقلم: هبة عنتر
أمام ما يعصف في المنطقة من حروب، وما يُمطَر عليها من سجّيل، وما يلفّ السّماء من دخان كثيف، تنكّس الأعلام، وتبلسُ الأنفس، يأتي العيد. وأمام حالة القنوط والحروب، تكثر الهمهمات المثبّطة المرجفة، ويتساءل النّاس عن جدوى العيد، عن جدوى الفرح، وقد ارتدت الدّنيا السّواد حزنا ورثاءً على من فُقِد. لكنّ المؤمن ينظر للأمور بعدسات مختلفة، عدسات قرآنية بنورٍ إلهيّ، فيرى العيد يومًا من أيّام الله… يومًا نصر الله فيه جنده، وهزم وأذلّ فيه أعدائه.
وهنا نعود بالذّاكرة التّاريخيّة إلى المجابهة الكبرى بين كليم الله موسى عليه السّلام وبين الفرعون وسحرته. ﴿قالَ مَوعِدُكُم يَومُ الزّينَةِ وَأَن يُحشَرَ النّاسُ ضُحًىفَتَوَلّى فِرعَونُ فَجَمَعَ كَيدَهُ ثُمَّ أَتى﴾ [طه]. في ذلك المشهد، لم يكن “يوم الزينة” مجرد عطلة رسمية أو احتفال عابر، بل كان منصة للفرز التّاريخي بين الحقّ والباطل، فيه جمع فرعون كيده، واستعلى، واستغنى، وتجمهر النّاس ليرووا لمن الغلبة ﴿وَقيلَ لِلنّاسِ هَل أَنتُم مُجتَمِعونَلَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كانوا هُمُ الغالِبينَ﴾ [الشعراء]. وكانت النّتيجة هزيمة السّحرة، بل بطلان سحرهم، وإيمانهم بربّ موسى، وهزيمة الفرعون وكسر شوكته وكيده. فكان هذا اليوم يومًا من أيّام الله الّتي يجب على المؤمن أن يذكرها ويتدبّرها ﴿وَلَقَد أَرسَلنا موسى بِآياتِنا أَن أَخرِج قَومَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ وَذَكِّرهُم بِأَيّامِ اللَّهِ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكورٍ﴾ [إبراهيم: ٥].
إنّ الفرح في زمن الانكسار ليس ترفاً عاطفياً، بل هو فعلُ مقاومةٍ نفسيّةٍ صلبة. فعندما يفرض العدوّ لغة “السجّيل” والدخان، يأتي العيد ليفرض لغة “التكبير” والبهجة. هذا التّحدي النّفسيّ يعيد ضبط “المضطرب” من الأنفس؛ فالمؤمن الذي يفرح في العيد يرسل رسالةً كونيةً بأنّ “الرّوح” عصيّةٌ على الحصار، وأنّ موازين الأرض المادية مهما بلغت سطوتها، لا تملك مفاتيح القلوب. إنّ تحويل العيد إلى “يوم زينة” في قلب الرّكام هو فعل مقاومة وتحرّر، هو إعلان عن عِظَم وعزّ هذه النّفوس الأبيّة، الّتي لم تنطفئ جذوة نورها رغم كل محاولات الإطفاء بالتّرهيب والتّنكيل.
“إنّ “الفرعونيّة” ليست مجرّد شخص يأتي ويمضي، بل هي منظومة قائمة على طغيان القوى الماديّة، تتضخّم كلّما علَتْ حتّى تستغني عن كلّ القوانين والسّنن. تتشابه الرّوح الإستعلائيّة لـ”بنية الطّغيان” هذه عبر التّاريخ بعد إذ تشابهت القلوب؛ فإذا كان فرعون الأمس يتبجح بـ ﴿أَلَيسَ لي مُلكُ مِصرَ وَهذِهِ الأَنهارُ تَجري مِن تَحتي﴾، فإنّ مراكز الهيمنة المعاصرة ترى جغرافيا العالم وقاراته مسرحاً لنفوذها يعيث فيها صولجانها كيف يشاء، لسان حالها: ﴿مَن أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾. وبين الأمس واليوم، يحمل المؤمن ذاكرة تاريخية مشبّعة بأيّام الله، ترى النّصر للحقّ وإن طال أمد الطّغيان، وزهوق الباطل وإن تصنّع الخلود والثّبات ﴿قَد مَكَرَ الَّذينَ مِن قَبلِهِم فَأَتَى اللَّهُ بنيانهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقفُ مِن فَوقِهِم وَأَتاهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشعُرونَ﴾ [النحل: ٢٦].”
وهنا تتجاوز *التّكبيرات* الصّوت، لتغدو ‘بيان مفاصلة’ يتقزّم أمامه الطّواغيت.
*الله أكبر* بعثٌ للاستعلاء الإيمانيّ، تشحن العقل الجمعيّ للأمّة، وتشحذ الهمم قَطْعاً لتسلّل القنوط أمام السّحر الفرعونيّ، حتّى يرى المؤمن وعد الله صدقاً ونقداً: إعزازاً للأجناد، وهزيمةً للأحزاب.
هي *الفرقان* الذي يضبط بوصلة الأمّة نحو غايتها الأسمى، فلا تضلّ في أزقّة اليأس، ولا تغرق في لُجج الابتلاء..
العيد تذكرةٌ بأنّ الله قاهرٌ فوق عباده، مؤيّدهم وناصرهم، فالله أكبر من الطّواغيت والجبابرة، وله الحمد والثّناء وهو الوليّ الّذي يستحقّ العبادة واللّجوء، أصدق من وعد، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلّا الله… فله إخلاص العبادة، وإليه الفرار وهو الغاية في القول والعمل! ومن هنا لا يكون العيد ترفًا عاطفيًا، بل إعلانًا متجددًا لمعنى الغلبة الإلهية في التاريخ. وكما قال الرّافعي: “العيدُ صَوتُ القُوَّةِ يَهتِفُ بالأُمَّةِ: أَخرِجِي يومَ أفراحِك، أخرِجِي يَومًا كأيَّامِ النَّصر”.
هو نصرُ النفس التي لم تنهزم، والروح التي لم تنطفئ، والدّليل الأسمى على الانعتاق من أسر “الطين” إلى سعة “اليقين”.