التكفير.. بين سُننيّة الاختلاف وإشكالية تداخل الشرعي بالسياسي الاستبدادي
ليلى نبيل الكردي
جرت سنة الله عزوجل وقانونه في خلقه ألا تكون عقولهم وادراكاتهم وتوجهاتهم نسخة واحدة، بل خلقهم مختلفين في كل ذلك، كوجه من أوجه الابتلاء والاختبار في حياتهم الدنيا، هذه سنة اجتماعية ثابتة كسائر سنن الله وقوانينه في الأرض، يقول الله عزوجل: {فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا} [فاطر، 43] ويقول الله عزوجل: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربكَ ولذلك خلقهم} [هود: 118]، والسنة الإلهية في اللغة: “هي الطريقة مرضية كانت أم غير مرضية، وهي العادة” ([1])
وفي الاصطلاح السنة الإلهية هي” ما اطرد من فعل الله عزوجل من معاملة الأمم والأفراد بناء على أفعالهم وسلوكهم وموقفهم من شرع الله وأثر ذلك في الدنيا والآخرة” ([2])
يقول ابن عاشور رحمه الله (1393هـ) في تفسير سنة الاختلاف” لو شاء الله لخلق العقول البشرية على إلهام مُتّحِد لا تعدوه، كما خلق إدراك الحيوانات العجم على نظام لا تتخطاه من أول النشأة إلى انقضاء العالم، فلا شكّ أن حكمة الله عزوجل اقتضت هذا النظام في العقل الإنساني لأن ذلك أوفى بإقامة مراد الله، فخلقهم على نظام من شأنه طريان الاختلاف بينهم في الأمور، ومنها أمر الصلاح والفساد في الأرض، وهو أعظمها وأهمها ليتفاوت الناس في مدارج الارتقاء ويسموا إلى مراتب الزلفى، فتتميز أفراد هذا النوع في كل أنحاء الحياة {ليميز الله الخبيث من الطيب} [الأنفال، 37]
وإن وحدة الصف المسلم تقتضي التعامل مع هذا الاختلاف كسنّة من سنن الله سبحانه؛ تقوم على احترام الإنسان الذي لم يمارس أي شكل من أشكال الاعتداء المادي والمعنوي، وبغض النظر عن عرقه ودينه ومذهبه، يقول الله عزوجل {لا إكراه في الدين} و يقول الله عزوجل {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 8] فكيف بمن هو مسلم مؤمن، يتفق معه في أغلب الأصول والخطوط العريضة في الدين، ويختلف معه في مسائل فرعية سواء في الفقه أو العقيدة، ثم يتخذ من هذا الاختلاف بوابة للفرقة والتدابر والتنافر، ويتعامل مع الاختلاف براحة القلب وانشراح النفس وإقبال الجوارح، فهذا ليس حال المؤمن صاحب القلب الخاشع، كما أنه ليس حال صاحب الهمّ في صحوة هذه الأمة ونهضتها، فهو بذلك يسهل الطريق على أعداء الأمة للتسلل بين الصفوف، والله عزوجل يقول {ربنا لا تجعلنا فتنةً للقوم للظّالمين} [يونس: 85]
لذا فإن الوعي بالأصول والثوابت ومقاصد الشريعة والخطوط العريضة في الدين هو الذي يجعلنا نضع فروع الدين ضمن مكانها الصحيح في خريطتنا المعرفية، فنتعامل معها معاملة تليق بحجمها ومحلها من الإعراب..
ومع خفوت هذا الوعي يغدوالاختلاف حالة مَرَضيّة؛ تعبّر عن هشاشة العقل وسقمه وإعراضه عن فهم الدين فهماً سليماً، فينصرف الهمّ لعلاج أعراض المرض بدلاً من معالجة جذوره، فيبقى المرض على حاله ويأخذ أشكالاً مختلفة وانتكاسات بين الآونة والأخرى، فما عُولج به هو مُجرد مُسكّن، وليس دواءً شافياً بالكامل..
فكما يكون الجسد في أصله في أحسن تقويم، ويمرض عندما يجانب قوانين الصحة والعافية، فكذلك العقل عندما يتعامل مع الاختلاف بين البشر؛ على أنه هو الأصل فيلتزم بقوانين الألفة والوحدة واحترام الرأي الآخر المختلف، ويعتبره اختلاف تنوع وتكامل وثراء، فلا يؤدي ذلك الاختلاف لتحقير الآخر وتسفيهه وصولاً لأسوأ صورة تتجلى بتكفيره..
مشكلة كبيرة أن يعتقد المرء أنه يملك الحقيقة كاملة، ويعتبر الرأي المخالف له مخطئاً بالكامل، فيقتل مساحة الاحتمال لوجه آخر أو رؤية أخرى قد يكون فيها الخير الكثير، فهذا تأليه للذات كما يقول الله عزوجل {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ً} [الجاثية: 23] وحرمان لها من التقدم حتى خطوة واحدة..
كما أنه قتل للعلاقات الاجتماعية القائمة أصلاً على النقص البشري، واختلاف المواهب والقدرات، وقابلية الخطأ والهبوط والعصيان، وبالتالي حاجة الناس لبعضهم البعض في المجالات كلها ضمن رحلة إكمال النقص والارتقاء بالنفس الإنسانية.
إن التكفير الذي لا تضبطه البوصلة الإلهية هو عقلية مريضة منبوذة قبل أي شيء آخر، نشأت ضمن مناخ صحراوي قاسٍ لا يعرف رطوبة الرحمة والاحتواء والصبر الجميل على عباد الله، وهو ضمن تلك البوصلة محدد بحدودها، مقيّد بضوابطها، ثقيل على النفس المحبة لهداية البشر، الحريصة على انقاذهم من جحيم محتم إن لم يتوبوا ويرجعوا إلى صراط الله المستقيم.
نحو اختلاف يوحّد الصف المسلم
تحرص الأنظمة المستبدة على طرح الاختلاف ضمن قوالب خبيثة، وتغذيته بما يكرّس وجودها واستعبادها للشعوب؛ وتصبح الساحة ميداناً للخلافات والنزاعات المذهبية، فتدعم مذهباً وتقصي آخر، مع أنهم كلهم مسلمون يوحدون الله، لكنها لا تريد أن تقوم لاختلاف التنوع قائمة، والذي يكون فيه كل واحد من المختلفين مصيب، بل اختلاف التضاد الذي يكون سبباً لكل تنازع وفرقة وحقد يملأ الصدور، نفهم اختلاف التنوع في قوله تعالى {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً} [الأنبياء، 78، 79]، وكذلك إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة، وقوله صلى الله عليه وسلم “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر”
اختلاف من شأنه أن يغذّي العقل، ويفتح آفاق الفهم، ويخلق مجال حرية التفكير، ويزيل الأحقاد والضغائن بين شتى الجماعات والحركات الإسلامية، شأنه ما كان سائداً أيام ازدهار الحضارة الإسلامية، والتي نالت عظمتها من خلال اتساعها لكل الأديان والثقافات والشعوب والأجناس والأعراق، لما تسامحت مع الجميع وتعايشت واستفادت من الجميع ([3])
لقد حذّر الله عزوجل في كتابه من الفرقة التي تكون في قمة ما تستحق أن تذم لأجله؛ حصولها بعد مجيء الرسل وانزال الكتب، فيما يستدعي أن ما جاءت به يوجب الوفاق، وقد نص على تحريمها بنصوص كثيرة من الكتاب والسنة، ولا أفحش في التفرق التوصل إلى التكفير بأدلة محتملة تمكن معارضتها بمثلها ويمكن التوصل بها إلى عدم التكفير وإلى جمع الكلمة ([4])، يقول الله عزوجل {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة: 3] وقوله تعالى {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد جاءهم العلم بغياً بينهم} [آل عمران: 19]
كما يحذرنا الله عز وجل أن نتشبه بهؤلاء المشركين الذين أدى بهم شركهم ليكونوا جماعات متفرقة تعبد آلهة شتى، فكيف بمن أنعم الله عليهم بنعمة التوحيد وعبادة إله واحد، كم عليهم أن يتعبدوا الله بالألفة والوحدة؟!
يقول الله عزوجل {منيبين إليه واتقوه ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيَعاً كل حزبٍ بما لديهم فرحون} [الروم: 33]
قرأ الجمهور {فرّقوا} بتشديد الراء، وقرأها حمزة والكسائي بألف بعد الفاء {فارقوا دينهم} فالمراد بالدين دين الإسلام، ومعنى مفارقتهم إياه ابتعادهم منه، فاستعيرت المفارقة للنبذ، إذ كان الإسلام هو الدين الذي فطر الله عليه الناس، فلما لم يتبعوه جعل إعراضهم عنه كالمفارقة لشيء كان مجتمعاً معه، وليس المراد الارتداد عن الإسلام، والحزب: هم الجماعة الذين يكون رأيهم ونزعتهم واحدة، فيفرحون بما هم عليه من الاتفاق فيما بينهم، وفرقتهم مع غيرهم، وهذه حالة ذميمة من أحوال أهل الشرك يراد تحذير المسلمين من الوقوع في مثلها، فإذا اختلفوا في أمور الدين الاختلاف الذي يقتضيه اختلاف الاجتهاد أو اختلفوا في الآراء والسياسات لاختلاف العوائد، فليحذروا أن يجرهم ذلك إلى أن يكونوا متعادين متفرقين يلعن بعضهم بعضاً، ويذيق بعضهم بأس بعض ([5])
وكذلك الإمام الشاطبي (790هـ) رحمه الله يؤكد ما ذمه الله عزوجل من الفرقة في كتابه، يقول الله الله عزوجل {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] بأن الهوى هو معيار مفارقتهم للدين، ثم برأ الله رسوله صلى الله عليه وسلم منهم {لست منهم في شيء} وهم أصحاب البدع والكلام فيما لم يأذن به الله ورسوله، ولقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في أحكام الدين، ثم لم يفترقوا ولم يصيروا شيعاً، لأنهم لم يفارقوا الدين؛ إنما اختلفوا فيما أذن الله لهم من اجتهاد الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً، واختلفت في ذلك أقوالهم، كاختلاف أبي بكر وعمر وزيد في ميراث الجدة.
فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة، علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء ويجب على كل ذي عقل أن يجتنبها ([6])، بدليل قوله تعالى {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} [آل عمران، 103]
هذه رؤية مقاصدية عميقة ومركزية من الإمام الشاطبي؛ فهو يدور مع روح التنزيل أينما دار، بأن يوافق مراد المكلف مراد الله عزوجل من التشريع، فلا يتضارب معه، فيعبده من جانب، ويفسد لبّ عبادته لله عزوجل من جانب آخر، فينطبق عليه قول الله عزوجل {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً} [الفرقان، 23]
حول حديث (تفترق أمتي..).
قد تكثر ادعاءات تبني كل فرقة دعوى النجاة من النار؛ والتي يتضمنّها حديث النبي صلى الله عليه وسلم” افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ما أنا عليه وأصحابي “([7])
يقول البغدادي (429 هـ) رحمه الله، في معنى هذا الحديث أن كل ذي عقل من أصحاب المقالات المنسوبة إلى الإسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بالفرق المذمومة، فرق الفقهاء الذين اختلفوا في فروع الفقه مع اتفاقهم على أصول الدين، لأن المسلمين فيما اختلفوا فيه من فروع الحلال والحرام على قولين:
1_ قول من يرى تصويب المجتهدين كلهم في فروع الفقه، وفرق الفقه كلها عندهم مصيبون.
2_ من يرى في كل فرع تصويب واحد من المختلفين فيه، وتخطئة الباقين من غير تضليل منه للمخطئ فيه.
أما الفرق المذمومة الأخرى فهي التي خالفت الفرقة الناجية في أبواب العدل والتوحيد، الوعد والوعيد، القدر والاستطاعة، الإرادة والمشيئة، باب صفات الله عزوجل وأسمائه، باب النبوة وشروطها، ومن الأبواب التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة وخالفهم أهل الأهواء من القدرية والخوارج والجهمية والمجسمة والمشبهة ومن جرى مجراهم؛ فإن المختلفين في العدل والتوحيد والقدر والاستطاعة والرؤية وشروط النبوة والإمامة يكفّر بعضهم بعضاً ([8])
وكذلك الشاطبي رحمه الله (790هـ) يبين أن الافتراق المراد في هذا الحديث ليس مطلق الافتراق ([9])، هذا باطل بالإجماع، فإن الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية، وأول ما وقع الخلاف في زمان الخلفاء الراشدين المهديين، ثم في سائر الصحابة، ثم التابعين، ولم يعب أحد ذلك منهم، وبالصحابة اقتدى من بعدهم في توسيع الخلاف، فكيف يمكن أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث، بل المراد به افتراق مقيد وان لم يكن في الحديث نص عليه قوله تعالى {ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزبٍ بما لديهم فرحون} [الروم، 31، 32]
وثمة رؤية أخرى نقدية منطقية في فهم الحديث، تتناول الحديث من حيث ثبوته ودلالته، والنقاشات التي حوله نستخلص منها ظنيته من حيث الثبوت ومن حيث الدلالة، ووجه الخلاف في هذا الحديث على حد تعبير الدكتور محمد عمارة رحمه الله؛ أن المسلمين لم يختلفوا في الدين في عصر صدر الإسلام، وإنما كان خلافهم حول السياسة خاصة حول الإمارة والخلافة والإمامة؛ فأول فرقة قد نشأت هي” الخوارج” ([10]) على عهد علي بن أبي طالب [23ق. هـ _ 40 هـ] بسبب الخلاف حول الإمارة والصراع السياسي، وظلت هذه القضية طوال تاريخ المسلمين الفكري والعملي، هي المنبع الذي خرجت منه الفرق والأحزاب.([11])
والحديث الذي استند عليه مؤرخو المقالات والذي يفتقر إلى القواعد الثابتة، ليس من الأحاديث التي لا يرقى إليها الشك.
أولاً: لأنه حديث آحاد وهو غير ملزم في الأمور العملية، وغير ملزم في الاعتقادات ([12])، وهذا ما يذهب إليه ابن الوزير رحمه الله عندما يقول (وإياك الاغترار بـ” كلها هالكة، إلا واحدة” فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة لا يؤمَن أن تكون من دسيس الملاحدة، وعن ابن حزم: أنها موضوعة، غير موقوفة ولا مرفوعة) ([13])
ثانياً: أن الحديث فيه تنبؤ بالغيب، فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب؟ خاصة أن القرآن ينفي علم النبي بالغيب إلا إن كان وحياً أوحاه الله إليه والوحي الذي لا خلاف عليه هو المودع في القرآن، يقول الله عزوجل {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} [الأنعام، 50 ] وقوله تعالى {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} [ الأعراف، 188] والآية التي يقول الله عزوجل فيها {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} [ الجن، 26] فإن نطاق الاستثناء فيها يجب أن تحكمه الآيات التي تنفي علم الرسول بالغيب، وبالتالي هو لا يعني إلا جواز أن يوحي الله للرسول بنبأ من أنباء الغيب، وهذا النبأ يكون موضعه موضع النبأ المقطوع به بأنه وحي وهو القرآن الكريم.
ثالثاً: الحديث يحدد فرق اليهودية والنصرانية، وليس بين فرق المسلمين وغير المسلمين من مؤرخي الفرق من حد هذه الفرق في الديانتين بهذا العدد.
وقد لاحظ الشهرستاني (548 هـ) هذا الاضطراب في عدد الفرق، عندما قال” اعلم أن لأصحاب المقالات طرقاً في تحديد الفرق الإسلامية، لا على قانون مستند إلى نص، ولا على قاعدو مخبرة عن الوجود، فما وجدت مصنفين متفقين على منهاج واحد في تحديد الفرق فلا بد من ضابط في مسائل” أصول وقواعد” يكون الاختلاف فيها يعتبر” مقالة” ويعد صاحبه” صاحب مقال” فما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط، إلا أنهم استرسلوا في ايراد مذاهب الأمة لا على قانون مستقر وأصل مستمر” ([14])
ويرى الإمام محمد عبده رحمه الله صحة إسناد حديث تعداد الفرق، وأن ما انتهت إليه جميع الفرق هو اجتهاد في المسائل الخلافية، وهو اجتهاد قائم على التأويل، والذي يعتبر تصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنه يوافق ما انتهى إليه الإيجي (756هـ) ([15]) من القول بأن السلف من المحدثين والأشاعرة وأهل السنة يقولون جميعاً بعدم تكفير أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع القدير، أو شرك، أو انكار نبوة، أو ما علم مجيئه به عليه الصلاة والسلام ضرورة، أو المجمع عليه، كاستحلال المحرمات. ([16])
الخوارج.. فكر مظلم لا إرث محتّم
تأخذ ظاهرة التكفير شكلها السياسي والاستبدادي مع الخوارج الذين بدأوا به وسنّوا به سنة سيئة عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وترتبط بشكل مباشر بالشكل المتطرف من أشكال التفكير، ليكونوا مثل السّوء لغيرهم من الفرق في السير على نهجهم ومنوالهم في تكفير بعضهم لبعض، والأصل براءة ذمة المسلم، كما يقول العز بن عبد السلام (الأصل في المسلم براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، وبراءته من الانتساب إلى شخص معين، ومن الأقوال كلها، ومن الأفعال كلها) ([17]) والتكفير استباحة لتلك الحرمة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب” ([18])
وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمتنعون عن إطلاق وصف التكفير والتفسيق على أهل القبلة، (روى ابن عبد البر عن أبي سفيان قال: قلت لجابر: أكنتم تقولون لأحد من أهل القبلة، كافر؟ قلا: لا، قلا: فمشرك؟، قال: معاذ الله، وفزع) ([19])
حتى أن وصف الأخوة قد اشتملهم مع كل انحرافاتهم الفكرية والدينية والسلوكية، لاعتبارات عدة، أبرزها خلق المسلم وعظمة الإسلام في تزكية كل جوانب الشخصية، والذي مثّله الإمام علي رضي الله عنه وهم الذين أجمعوا على إكفاره، والخروج عليه ثم قتاله ([20])، عندما سئل عن أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ قال: لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، قيل له: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا)([21]) فقد كانت الطلائع الأولى التي كونت فرقة الخوارج من _ القراء _ كانوا زهّاداً وعباداً، وتغلب على جمهورهم” بداوة الأعراب” الذين لا جلد لهم على فقه أساليب الصراعات السياسية ومنعرجاتها ([22])
قال ابن عباس رضي الله عنهما يصفهم حينما دخل عليهم لمناظرتهم: دخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهاداً، جباههم قرحة من السجود وأياديهم كأنها ثفن الإبل، وعليهم قمص مرخصة، مشمرين، مسهمة وجوههم من السهر..
لقد كان الغلو والتشدد والتفريط نصيبهم من الجانب الذي اعتقدوا أن غلوهم فيه سيقربهم أكثر إلى الله، وأنه وسيلة نافعة مادام على مرادهم وطريقتهم، والحقيقة أن ابليس قد تمثل في تفريطهم هذا، وشريعة الله بريئة من غلوهم وتشددهم..
إن ما فعله الخوارج وعرفوا به أنهم كفّروا من لا يستحق التكفير، والشريعة تقتضي خلاف ذلك، لأن التكفير حكم شرعي له ضوابطه..
يقول الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله (هم يتلون القرآن كثيراً لكن لم يجاوز الحناجر، لم يتعمق في قلوبهم وفي عقولهم فيحسنون فهمه، فمشكلتهم تأتي من الفهم، ولذلك الإسلام يتمثل في عقل ذكي وقلب نقي، أما العقل الغبي والبليد ممكن يضر بالإسلام وأهله، يقول الله عزوجل: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 103]
والمتأمل في ويلات ما أحدثه الخوارج من فرقة في الصف المسلم، يجد أن تفريطهم قد قوبل بإفراط أو بتار عكسي جانح، كردة فعل على الخوارج، فقد كانوا هم السبب في ظهور المرجئة، وفرقة الجبرية عندما نشأت فرقة القدرية كردة فعل عكسية، وحيثما يصحّ الابتعاد عن جوهر التوحيد والعقيدة الصحيحة سنجد فرقة الصف وضياع البوصلة والعقلية المريضة.
التكفير بين الحكم الشرعي والسياسي الاستبدادي
لا ريب أن ارتباط التكفير بسياق سياسي يتسم بالطابع الاستبدادي أشدّ ارتباطاً منه بسياقه الشرعي المطبق ضمن حدود الشريعة الإسلامية، وهو الذي جعل البعض يعتقد أن التكفير حكم سياسي وليس شرعي، بل لم يأخذ بُعده الآثم والمُهدّد لوحدة الأمة إلا بالطريقة التي مُورس بها من ظلم واستبداد، أما من حيث الأصل هو حكم شرعي له ظروفه وشروطه ضمن منظومة العدل المتكاملة، يقول الامام الغزالي رحمه الله (505هـ) (قد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع، وأن الجاهل بالله كافر، والعارف به مؤمن، فيقال له: الحكم بإباحة الدم والخلود في النار حكم شرعي، لا معنى له قبل ورود الشرع) ([23])
فالتكفير حكم شرعي وإن كانت الممارسة العملية له عبر التاريخ تثبت خلاف ذلك، ومعنى أنه شرعي أي أنه ليس عقليّا ولا رأياً شخصيّاً؛ بل مناطه الشرع فقط، ومن جعله حكماً سياسيّاً قد جانب التأصيل الذي يرسم حدوده ويعطيه حجمه الحقيقي فهو إذاً غير محكوم بالعقل والهوى والسياسات والأيدلوجيات، وإن كانت الممارسة الواقعية تشهد بغير ذلك، فالمشكلة تكمن في الممارسة وليست في الحكم نفسه، يقول ابن الوزير اليماني (إن التكفير سمعي لا مدخل للعقل فيه) وبالتالي فإن الهوى والتشفي والانتقام بالتكفير مذموم _ من باب أولى _ لما فيه من اعتداء على حكم الله وحقه وافتئات على عباده، وبالتالي إن أهل العلم والسنة لا يكفّرون من خالفهم، وإن كان المخالف يكفرهم لأن التكفير حكم شرعي)..
ولا تكمن المشكلة في التكفير بحدّ ذاته كحكم شرعي، فالتمايز بين الكفر والإيمان هو منطق حاضر في جوهر المنظومة الدينية، ولم نجد مع نزول القرآن على الناس بتفريقه بين سلوك الكافر وسلوك المؤمن أي توجه تكفيري ينشأ بينهم يكفّر من خلاله بعضهم بعضاً، وإنما تكمن المشكلة في تحوله إلى شكل من أشكال إلغاء وإقصاء الآخر..
فالتكفير شرعي من حيث التأصيل ويتخذ طابعاً سياسيّاً من حيث تسلسل الأحداث والواقع الملموس، أما إن مورس ضمن حدوده وضوابطه التي وضعها أهل البحث والاستنباط من العلماء الربانيين، وضمن إطار الوسطية والاعتدال؛ ستثبت تلك الممارسة أنها ضيقة جدا ومحدودة، والتطرف هو المعني بتحويله من حكم شرعي إلى حكم سياسي ومعركة يعتبر المنتصر فيها هو الجهل بالدين والحقد والتعصب المذهبي.
ضوابط للردع
بعد أن أثبتا أن التكفير حكم شرعي من حيث التأصيل؛ سياسي من حيث بعض الممارسات، فإن الشريعة الإسلامية قد ضيّقت على ذوي الحظوظ النفسية مبادرتهم لنسف الآخر بوضع ضوابط دقيقة جدّاً يكاد يستحيل مع مراعاتها تكفير إنسان يشهد بشهادة الإسلام، ويجدر بنا في هذا المقام أن نؤكد على أن تكفير مسلم بناء على ارتكابه ما يقتضي ذلك، لا يجب أن يمثل أي شكل من أشكال الاعتداء على حريته الدينية في اختيار الدين الذي أراده لنفسه، لأن الحرّية الدينية أصل كبير، يقول الله عزوجل {لا إكراه في الدين}، بل إن تلك الضوابط تفتح باب الرحمة والرأفة بذلك الذي ارتكب سلوكاً مكفّراً، ودعوته بالتي هي أحسن للتوبة أو على الأقل أن يكفي شر لسانه ويده عن الذين يختلفون معه في الرؤية الدينية.
_الضابط الأول
تكفير المعيّن:
أو هو التفريق بين فعل الكفر والحكم بكفر الفاعل، وهذا هو حال الراسخين من علماء المسلمين؛ في عدم اعتبار الوقوع في الكفر مسوّغاً للحكم بكفر المسلم قبل معرفة حقيقة حاله، والأصل في هذا التفريق؛ أن رجلاً جلده النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يشرب الخمر، فأتي به يوماً، فأمر بجلده، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم” لا تلعنه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله” ([24]) علماً أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن شاربي الخمر كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك:” لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها، وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له” ([25])
هنا يتبين لنا الفرق بين التكفير المطلق والتكفير المعين، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد لعن فعل الشرب، ولم يجوز مع ذلك لعن الشخص المعين الذي مارسه هذا الذنب، ويقيس شيخ الإسلام التكفير على اللعن فيقول: وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطاً بثبوت شروط، وانتفاء موانع..([26])
وهذا التفريق بين الكفر ومرتكبه طبّقه السلف الصالح من أهل السنة والجماعة في واقعهم مع أشد مخالفيهم قسوةً وظلماً، فالقول بخلق القرآنوغيره مما قاله المعتزلة كفر لا يلزم منه كفر قائله، يقول شارح الطحاوية (وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة، ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة حتى اتفق رأيي ورأيه أن من قال بخلق القرآن فهو كافر) وعلى الرغم من اجماع أهل السنة على كفر القول بخلق القرآن، فإنه لم يقولوا بكفر معين ممن شارك في فتنة خلق القرآن..([27])
فقد يكون كما قال أبو العز الحنفي (792هـ) (الشخص المعيّن إما أن يكون مجتهداً مخطئاً مغفوراً له، أو يمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله كما غفر للذي قال” إذا مت فاسحقوني ثم ذرّوني، ثم غفر الله له خشيته” وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته أو شك في ذلك، لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا لمنع بدعته، ثم إذا كان القول في نفسه كفراً، قيل أنه كُفر، والقائل له يكفر بشروط وبانتفاء موانع) ([28])
إن مسألة التفريق بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن؛ هي مسألة أخلاقية وإنسانية ليست شرعية فقط، من خلال تحري التقوى في إصدار الأحكام على المخالفين في أرقى صورة يمكن أن تكون، فلا تجعل مِن مُرتكب المخالفة مصيدة للسكاكين اللفظية المؤذية والجارحة من كل جانب، فيفرق بين الشخص والفكرة، بوضع الفكرة في الميزان القويم أولاً؛ثم وقوف مجهريّ عند حالة الشخص ثانياً، لعلّه كذا ولعله كذا، فلا بد من دليل يقيني يزيل ما ثبت بيقين مثله.
_لازم القول ليس بلازم:
التكفير بالمآل هو التصريح بقول ليس بكفر في ذاته، وإنما يلزم عنه الكفر مع عدم اعتقاد قائله بهذا الكفر الذي يلزم عنه ([29])
وفي التعريفات للجرجاني (816هـ) معنى اللازم: وهو ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، وقد يكون هذا اللازم بيناً، وهو الذي يكفي تصوره مع تصور ملزومه في جزم العقل باللزوم بينهما، ويكون يكون غير بين وهو الذي يفتقر جزم الذهن باللزوم بينهما إلى وسط ([30])
إن اعتماد هذه اللوازم في مسألة حساسة جدا في الاعتقادات، هي من جملة الوسائل التي تؤدي إلى التكفير ونسف الآخر بناء على ظن لم يتأكد ولم يجزم به، وتقوّل وافتراء عليه ما أنزل الله به من سلطان، فمن كان متحرياً للورع والتقوى لم يأخذ بلازم القول بل بصريح القول، ومن كان يريد الفرقة والمشاحنة سيعتمد هذا اللازم لأن نفسه تميل إليه ويرد أن يلزم به خصمه، وخصمه بريء منه، لذا وجب التورع في هذا الشأن..
يقول ابن حزم (456هـ) أما من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم الخطأ، لأنه كذب على الخصم وتقويل له مالم بقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً، بل قد أحسن إذ قد فرّمن الكفر، فصحّ أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ينتفع أحد بأن يعبر عن معتقده بلفظٍ يحسّن به قبحه لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط)([31])
والتكفير بلازم القول هو ديدن أهل البدع، فهم الذين يكثر بينهم التكفير بالمآل، لذلك استقبحه العلماء واعتبروه ضرباً من الجهل ورِقة الدين وقد علم كل من كان من الأعلام أن التكفير بالإلزام من أعظم مزالق الأقدام، فمن أرد المخاطرة بدينه فعلى نفسه جنى.([32])
_ تضييق مدلولات الألفاظ الدالة على التكفير
من جهود العلماء الربانيين في تحري التقوى والورع في اطلاق وصف الكفر بشكل مطلق، تقسيم الكفر والشرك والنفاق إلى قسمين: قسم يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، وقسم لا يخرج صاحبه من الإسلام، بحسب ما ورد من نصوص يتفاوت فيه التحذير والوعيد ومستوى قبح القول والفعل، فثمة ما هو شرك أكبر وشرك أصغر، وكفر دون كفر، ومثال على ذلك: كفر النعمة: وهو سترها وعدم تأدية شكرها على النحو الذي يرضي الله عزوجل، يقول الله عزول {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة، 152] كفر النعمة في هذه الآية هو ذنب ومعصية وليس الكفر المخرج من الملة..
وقد صح عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال” سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر” ([33]) قال النووي في تأويل الحديث أقوال: أحدها أنه في مستحل قتل المسلم، والثاني: المراد كفر الإحسان والنعمة وأخوة الإسلام، والثالث: أنه يؤول للكفر بشؤمه، والرابع أنه كفعل الكفار.([34])
وكذلك الكفر نوعان أكبر وأصغر، اعتقادي وعملي، فالكفر الأكبر أو الكفر الاعتقادي فهو مخرج عن الملة، وصاحبه تارك لدينه مفارق للجماعة، وأما الكفر الأصغر أو الكفر العملي فلا ينقل من الملة، وعدم التفريق بين نوعي الكفر نجده غالباً يسود في بيئة الجهل والخرافة، فلا يفهمون من الكفر إلا ما كان مخرجاً من الملة..
لقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه باباً بعنوان:” كفران العشير وكفر دون كفر” ([35])ونقل الحافظ ابن حجر شرح الإمام أبي بكر بن العربي لهذه العبارة، كفر دون كفر، فقال: قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيماناً، كذلك المعاصي تسمى كفراً لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد منها الكفر المخرج من الملة.
وقال أبو العباس القرطبي في كتابه _ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم _ ([36]) وأما الكفر الواقع في الشرع، فهو جحد بالمعلوم منه ضرورة شرعية وهذا هو الذي جرى به العرف الشرعي، وقد جاء فيه الكفر بمعنى جحد المنعم، وترك الشكر على النعم، وترك القيام بالحقوق، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم” يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير” ([37]) أي يجحدن حقوق الأزواج وإحسانهم، ومن هاهنا صح أن يقال كفر دون كفر وظلم دون ظلم” ([38])
أما النفاق فهو أيضا قسمين، النفاق الاعتقادي المخرج من الملة، حيث لا يختلف العلماء في كفر من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، بل هو أشد من الكفر نفسه لما فيه من خداع المسلمين وتخريب البيت المسلم من الداخل، يقول الله عزوجل عن هذا النوع من النفاق {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً} [النساء، 145]، لكن ثمة نصوص تشتمل _ النفاق العملي _ بإطلاق وصف النفاق مع إيمان أصحابها، دون أن تخرجهم عن ملة الإسلام، قوله صلى الله عليه وسلم” آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”.([39])
عقلية البناء
عقلية تقتضي إدراك خطورة العقبات الكبرى على طريق البناء القويم، وعقلية المكفّر دون ضابط يردع ويسدد ويقارب، هي عقبة كبيرة وأثر من آثار الاستبداد السياسي، لذا وجب التزام مبدأ التخلية من آثار الاستبداد وعوالقه كلها، والانفتاح على فقه السنن الالهية في النهضة والبناء، وتدارس الكتب التي تحكي تأثير الاستبداد والطغيان على العقول والنفوس، لأنه لا يمكن خوض مرحلة البناء والـتأسيس بالعقلية ذاتها التي عايشت الاستبداد، وتشبّعت سمومه واعتادت مذاقه حتى لم تعد تجد فيه ما يضرّ أو يشلّ أو يقتل..
إن الحرّية الدينية والفكرية التي ينعم بها مجتمع ما بفضل ونعمة من الله تعتبر فرصة ذهبية _لتوبة فكرية وأخلاقية_ لمراجعة الذات ومحاسبتها، وخوض تجربة جديدة في التعلم والتفقه والانفتاح على الآخر المخالف الذي يريد طرح رؤيته ضمن رحابة الحق الذي يحتمل في كثير من صوره أن يتعدد مالم يرد فيه نصّاً صحيحاً صريحاً، نحو تحرّر نفوسنا وخطابنا الديني من القوالب القديمة التي اجتهد الاستبداد في تصميمها وصناعتها على عين ماهرة في بثّ كل فساد وإفساد.
[1] _ التعريفات علي بن محمد الشريف الجرجاني ت(816هـ)، ص 161
[2] _ السنن الإلهية في الأمم والأفراد للدكتور مجدي محمد محمد عاشور، ص36
[3] _ انظر المصدر السابق، ص 241
[4] _انظر إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق، المرتضى اليماني ابن الوزير، ص 400
[5] _ التحرير والتنوير لابن عاشور ت(1393هـ)، ج 22، ص 95
[6] _ الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي، ت (790هـ) كتاب الاجتهاد، ج4، ص 136
[7] _ أخرجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وهو حديث حسن لغيره، قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه حديث صحيح مشهور في السنن والأسانيد، وقال الإمام ابن كثير عن الحديث: جاء الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضاً، وقال المقبلي في العلم الشامخ: حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضاً بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها، وقد أفاض الشيخ الألباني في الكلام عن الحديث: الحديث ثابت لاشك فيه، ولذلك تتابع العلماء خلفا عن سلف على الاحتجاج به، حتى قال الحاكم في أول كتابه المستدرك إنه حديث كبير في الأصول. انظر دراسة بحثية عن الحديث بعنوان (ضابط الفرق بين أهل السنة ومخالفيهم في حديث الافتراق) ص 12.
[8] _ الفرق بين الفرق، للبغدادي الاسفراييني التميمي ت (429هـ) ص 12_ 13
[9] _ انظر البحث السابق، ص 15
[10] _ الخوارج: جمع الخارجة وهم الذين نزعوا أيديهم عن طاعة ذي السلطان من أئمة المسلمين، بدعوى ضلالة وعدم انتصاره للحق، ولهم في ذلك مذاهب ابتدعوها وآراء فاسدة اتبعوها، وهم عشرين فرقة: المحكمة الأولى والأزارقة، والنجدات والصفرية، ثم العجاردة المفترقة، ويقال للخوارج: الشراة والحرورية، والنواصب، والحكمية، والمارقة، فالشراة، بضم الشين، سموا أنفسهم بذلك زاعمين أنهم شروا أنفسهم من الله، والحرورية: نسبة إلى حروراء وهي قرية أو كورة بظاهر الكوفة، والنواصب جمع ناصب وهو الغالي في بغض علي بن أبي طالب (انظر الملل والنحل للشهرستاني (548هـ) ص 131)
[11] _ انظر تيارات الفكر الإسلامي، الدكتور محمد عمارة، ت (1441هـ)، ص 353
[12] _ قد يكون هذا الكلام غير دقيق نظراً لتقسيم العقائد لأصول وفروع، فقد يؤخذ بالحديث الآحاد في فروع العقيدة التي تفيد الظن لا القطع واليقين.
[13] _ العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير ت (840هـ) ص 186
[14] _الملل والنحل للشهرستاني ت (548هـ)، ت: عبد الأمير علي مهنا، علي حسن فاعور، ط3(1414هـ) ص 20
[15] _ هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار قاضي قضاة الشرق وشيخ العلماء، عضد الدين الإيجي، الشيرازي، ولد بإيج، وتوفي مسجوناً بقلعة قرب ايج، قد غضب عليه صاحب كرمان فحبسه بها، واستمر محبوساً إلى أن مات، ت(756هـ) له: شرح مختصر ابن الحاجب، والمواقف والجواهر، ينظر طبقات الشافعية، 3 / 27، 28، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، 3 / 110.
[16] _ مدخل إلى علم الكلام، للدكتور محمد صالح محمد السيد، ص 159
[17] _ قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للإمام المحدث أبي محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، ت (660هـ) الجزء 2 ص 26
[18] _ أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، الرقم: 1739
[19] _انظر التكفير وضوابطه، 15للدكتور منقذ السقار، بما رواه ابن عبد البر في التمهيد، ج 17، ص 21
[20] _ مقالات الإسلاميين، لأبي حسن الأشعري، ت (330هـ): ج1، ص167، الفرق بين الفرق للبغدادي، ص54
[21] _ المرجع السابق، ص 15
[22] _ تيارات الفكر الإسلامي، الدكتور محمد عمارة، ص 12
[23] _ انظر فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، الشيخ أبي حامد الغزالي، ت (505 هـ) ص 91
[24] _ أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب: ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة، رقم الحديث: 6780
[25] _ صحيح سنن أبي داود، الرقم، 3674،
[26] _ التكفير وضوابطه للدكتور منقذ السقار، ص 48
[27] _ شرح العقيدة الطحاوية، أبي العز الحنفي ت(792هـ) ص 298
[28] _ المصدر السابق، ص 300
[29] _ انظر التكفير وضوابطه للسقار نقلاً عن بداية المجتهد: الجزء 4، ص 242
[30] _ التعريفات للجرجاني، ص 200
[31] _ الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم الظاهري، الجزء 3، ص 139
[32] _ السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، الإمام الشوكاني، ت (1250هـ)، الجزء 4، ص 580
[33] _ أخرجه البخاري، رقم الحديث 48، أخرجه مسلم: رقم الحديث، 2587
[34] _ شرح صحيح مسلم، للنووي، الجزء 11 ص 67
[35] _ صحيح البخاري، كتاب الإيمان، الجزء 1، ص19
[36] _ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ج 1، ص 253
[37] _ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب كفران العشير، ج 5، ص 1994، الرقم: 4901
[38] _ بحث خطورة التكفير وضوابطه، ص 29
[39] _ أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم: 33 , أخرجه مسلم، كتاب الإيمان باب بيان خصال المنافق، الرقم: 59.