بين حسابات الأرض.. وسُنن السماء: عقدة الحسابات المادية وتكاليف التحرير
قلم: هبة عنتر
أمام ما يشهده الإنسان من فظائع ومجازر جمّة، وأمام الكمّ الهائل من الدّماء الّتي أريقت، والبلاد الّتي نسفت، تبلغ القلوب الحناجر، وتتزلزل الأقدام؛ فتعلو صيحات الإنسانيّة وتساؤلات عن جدوى “الطّوفان” والحروب أمام الأرواح الّتي تزهق، فالعدّاد لم يتوقّف، والمصائب في صعود تراكميّ، حتى بات مهندسو المعارك يُتهمون بالجنون أو التّهور. وبات يكثر في الآونة الأخيرة هذا الطّرح، ويتساءل عن جدوى المقاومة والمدافعة، ويُرى فيها وقوداً سياسياً مستحدثاً…
هذه العقلية الارتيابية هي طبيعة إنسانيّة غريزيّة بحتة، وهي مما تقبّله الإسلام كجزء من الضعف البشري، ولكن عمل على تزكيته وضبطه. فكيف ضبط الوحيُ بوصلة الغريزة؟ وكيف يفكك فقه السنن تهافت هذا الطرح وأمّيته في قراءة التاريخ البشري؟
أولاً: “كتب عليكم القتال”.. إعادة ضبط البوصلة وسننية البذل
إنّ الإسلام دين واقعيّ حركيّ، يعيد توجيه الرّؤية المؤمنة، حاثًّاً على إبصار السّنن وفهم مسار التّاريخ البشريّ.
الله اللّطيف الخبير يعلم أنّ الإنسان بفطرته يحبّ الحياة واستقرار العيش، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216].
لكنّ الأمانة ثقيلة، والحرب مع الباطل قديمة قدم الخلق. لذا كان القتال والمدافعة سنّة لتمكين المؤمنين وإحقاق الحقّ: ﴿فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ وَآتاهُ اللَّهُ المُلكَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾ [البقرة: ٢٥١]
ومن الناحية السُّننية والإنسانية، فإن محاولة اختزال “الجهاد والرباط” كأدوات نفعية مستحدثة تدل على جهلٍ مطبق بطبائع البشر وسيرورتهم؛ فكل صاحب عقيدة أو أيديولوجيا في هذا العالم يبذل نفسه ويموت في سبيل غايته الأسمى؛ فاليهودي يموت لأجل الهيكل، والعلماني يضحي لأجل علمانيته، والشيوعي يبذل حياته لأجل مبدئه، والقومي مات لأجل القومية.
لم تقم حضارة، ولم تتحرر أرض في تاريخ البشرية إلا على أكتاف المضحين بدمائهم في سبيل ما يؤمنون به، فالإسلام هنا لا يستحدث غريزة البذل، بل يزكيها ويوجهها نحو الخالق الأعلى تخلصاً من الوثنيّة ظاهرةً وباطنة.
ثانياً: الاستقراء التّاريخي والمنظور العسكري الاستراتيجي للتحرير
إنّ المتأمل في مسار التّاريخ يرى أنّ التّحرير لم يكن إلّا بالدّماء، ولم تقم الأمم إلّا على أكتاف شهداء بذلوا الأرواح في معارك تراكمية متكاملة الأدوار؛ فمكّة لم تفتح بصلح الحديبية وحده، بل بتراكم الانتصارات العسكريّة والدبلوماسية الّتي فرضت قواعد الاشتباك ومهدت لذلك الصّلح.
وصلاح الدّين لم يفتح بيت المقدس بتسليم من أهله، بل مهّد له بسلسلة طويلة من المدافعة والجهاد امتدت من زمن نور الدّين حتّى معركة حطّين؛ الانتصار الأكبر الّذي كسر شوكة الصّليبيين وأحلّهم دار البوار.
والجزائر الّتي تحرّرت من نير الاحتلال الفرنسيّ لم تنتصر في المساعي الدّبلوماسيّة المجرّدة، بل دفعت خيرة الأرواح لتكتب سطور الاستقلال بدماء أكثر من مليون ونصف المليون شهيد، ما جعل التّفاوض السّياسي مُمكناً ونافذاً في نهاية المطاف.
إنّ قياس جدوى المقاومة بحجم الخسائر المادية والآلام الآنية للمدنيين هو قراءة عوراء لعلوم الحروب واستراتيجياتها؛ فالولايات المتحدة في حرب فيتنام اعترفت بأنها ربحت كل المعارك التكتيكية وقتلت من الفيتناميين أضعاف جنودها، لكنها في النهاية خسرت الحرب الاستراتيجية أمام إرادة الصمود والرفض والمقاومة الشعبية الطويلة. وفي حروب أوروبا، حين هددت الجيوش الغازية الوجود الروسي عام ١٨١٢، اتخذ القائد الرّوسيّ كوتوزوف القرار الجريء بالانسحاب والتخلي عن العاصمة، بل وأمر الجيش والشعب بـ “حرق موسكو” وتدميرها بالكامل حتى لا يجد فيها نابليون مأوى أو زاداً. ومن الناحية المادية الضيقة، كان هذا القرار جنوناً وتدميراً ذاتياً للحاضرة، لكن في ميزان الحرب والخطط الكبرى، كان هذا الدّمار المؤقت والقاسي للحاضنة هو الحبل الاستراتيجي الشانق والسبب المباشر في سحق إمبراطورية نابليون.
وما تحرير دمشق وتطهيرها من الطّغيان الاستبدادي عنّا ببعيد؛ إذ جاءت هذه المحطة التّاريخية الفارقة لتبدد أوهام الانهزام الحتمي، ولتثبت أنّ ثمار صبر الشّعوب وتراكم تضحياتها -جنداً وحاضنة- لا بد أن تؤتي أكلها ولو بعد حين، لتعيد رياح الشّام الأمل لأجيال خافت الرّبيع وظنّت كلّ جذوةٍ نارَ الصّريم!
والأمثلة عن بذل النّفوس في سبيل الفتوح والتّحرّر أكثر من أن تقع تحت العدّ والحصر، وهذا التّدافع هو سنّة من سنن الله، وإنّها لتبعة ثقيلة تنوء بحملها الأكتاف.. ولكنّها كذلك هي السّبيل الأوحد لانتظام الأمور؛ ﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن دِيارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلّا أَن يَقولوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فيهَا اسمُ اللَّهِ كَثيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]
ثالثاً: سيكولوجية “المدني المستضعف” وموازين القوى بين الأرض والسماء
إنّ عظم الفاجعة وألم الفقد في الحاضنة الشّعبية للمقاومة هو أشد ما يؤلم النّفس البشريّة، والقرآن والوحي لم يعاملا أرواح البشر يوماً كأضرار جانبية أو أرقام باردة، بل جعل زوال الدّنيا أهون عند الله من دم امرئ مسلم. لكنّ الفرق الجوهريّ بين ميزان الأرض وميزان السماء، أنّ فقه المدافعات يرى أن بذل الدّماء والأموال في وجه الطّغيان ليس إهداراً للإنسانية أو انتحاراً مجانياً، بل هو الضّريبة الشّاقة الحتمية التي تُصنع بها الحرية وتُصان بها العقائد في صدور الأمم والشعوب.
فالقائد أو المصلح الذي يرى خريطة الصراع كاملة بأبعادها الزمانية والمقاصدية، يعلم أن كرامة الشعوب لا تُنال بالقعود والدعة المقنعة بالذل، بل بصبر صامت في الكهوف وثبات بليغ في الميدان. وقد سأل دعاة الإنسانيّة المادية قديماً: أين موازين القوى؟ ما أنتم أمام الطّائرات والقذائف؟ وهذا التّساؤل قديم، سأله بنو إسرائيل لمّا تراءى جيش طالوت وجالوت، فكان الانقسام بين فريقين:
فريق المادّة: الّذي قال: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾،
وفريق اليقين: أولئك الرّجال الّذين يزنون القوى بميزان السّماء، الّذين قالوا: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وهذا التوجس البشري الطبيعي أمام اختلال كفتي المادة يتجسد تاريخياً في لقطة تشريحية بليغة من سيرة الناصر صلاح الدين الأيوبي؛ إذ وقف يوماً مع قاضيه ومؤرخه بهاء الدين بن شداد على ساحل البحر وهو هائج تموج أمواجه كالجبال في شتاء عظيم، فطفق ابن شداد يُحدث نفسه فزعاً من هول المشهد المادي قائلاً في باطنه: “إنّ هذا البحر مَن يركبه أو يُخاطر بنفسه فيه يكون مجنوناً قد سقطت شهادته!”.
وكأنّ السلطان كاشف مخاوفه وقرأ خواطر قلبه المترددة أمام جبال الموج، فالتفت إليه يخبره بنيته ركوب هذا الهول لغزو الأعداء في عقر دارهم حتى لا يبقى على الأرض من يكفر بالله أو يموت. فلمّا راجعه ابن شداد بمنطق الحذر والمنعة مخافة المغامرة، التفت إليه النّاصر مستفتياً: “ما أشرف الميتات؟” فقال الفقيه: “الموت في سبيل الله”، فردّ السلطان بلسان اليقين السنني الرافض لحسابات الأرض: “غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتات”.
وهو ذاته منطق اليقين الذي صاغه شيخ المجاهدين عمر المختار يوم قال له المثبّطون: “إيطاليا تملك طائرات نحن لا نملكها”. فقال بيقين السنن المتصلة بالسماء: “أتحلق فوق العرش أم تحتهُ؟” فقالوا: “تحته”. فقال: “مَن فوق العرش معنا فلا يخيفنا ما تحته”.
رابعاً: وهم المفاوضات وكلفة “اللّامقاومة” السّلبية
إنّ القائل بسلامة مسار “الورقة والقلم” وحده نظره قاصر؛ فالتّاريخ والواقع يظهران عجز المفاوضات دون قوّة تحميها، فالسّياسة بلا أنياب مجرد استجداء. ويتساءل أصحاب المنطق النّفعي تباكياً على المشهد: “ماذا بقي من النّتائج؟”، ونحن نسألهم بالمقابل بذات المنطق الواقعي والسياسي:
- ماذا أنتجت اتفاقيات السّلام والاستسلام مسلوبة الأنياب منذ “أوسلو” إلى اليوم؟
- هل حرّر الحبر والأوراق شبراً من الأرض؟ أم أنّ كلفة القعود والاستسلام للأمر الواقع قادت إلى تضاعف أعداد المستوطنات، وارتفاع عداد المعتقلين، وقضم البيوت، واستباحة الدماء بلا ثمن ولا ردع؟
إنّ كلفة “اللّامقاومة” هي الفساد المطلق والضّياع التام للهوية والأرض والعرض، وهي أشد تدميراً بآلاف المرات من كلفة المدافعات.
في طريق التّحرر، تميل النّفس البشرية دائماً للمسار الأسهل الخالي من العقبات والمخاطر، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]. لكنّ إرادة الله تمضي دائماً لإحقاق الحقّ بكلماته وقطع دابر الباطل، وهذا المسار الإلهي يمرّ بالضّرورة عبر عبور “ذات الشوكة” بكلّ ما فيها من آلام وتضحيات حتمية لتطهير الصفوف وبناء الصلابة المبدئية الحامية للمستقبل.
الخلاصة: معركة وعي لا معركة أرقام
ليست المقاومة كيانًا ينادي بثقافة الموت، بل هي حركة وعي، وبناء سنني يتطلع لحياة العزّة لا الذّلّة. وقياس قضايا النّصر والتّمكين بميزان “عدد القرى المهدمة” وأعداد الشّهداء فحسب هو اختزال مخلّ؛ فهي معركة وعي وإرادة وتراكم أدوار قبل أن تكون معركة أرقام باردة.
إنّ كلفة المقاومة والرّباط -مهما عظمت وآلمت- هي ثمن الوجود والشهود الحضاري في وجه عدوّ إلغائي، أمّا البكاء على “الدّعة العاجلة” في ظلال الاحتلال فهو سقوط في فخ المنظومة المادية العوراء، التي ترى التّضحية لأجل أوهام الأرض وبناء النّظم المادية عقلانية، وتراها لأجل الدّين وحرية الأوطان أرقاماً مجانية!
إنّ اليقين بأنّ النّصر يُصنع بالصّبر والثّبات وتكامل جبهات الأمّة الفكرية والسياسية والعسكرية، يجعل فعل المقاومة ثابتاً كفكرة “غرس الفسيلة” حتى بين أهوال القيامة؛ عملاً بالواجب السّنني، وانفكاكاً من حسابات الأرض المادية التي تسقط دائماً أمام حرارة السُّنن الإلهية وحقائق التّاريخ الجليّة.