ميزان القرآن: من الخسران المبين إلى الفوز العظيم
بقلم: د. هبة عنتر
جاء الإسلام ليُخرج الإنسان من ظلماتٍ ثلاث: النّفس، والجهل، والماديّة. ولم يكن ذلك ليتحقق إلّا بالقرآن؛ نور الله وروح الهداية التي أحيت موات القلوب، وأعادت ضبط مفاهيم أفسدها خَبث الجاهلية، ليعاد تكوين الإنسان على ضوء الهدى السماوي.
وقد شكّلت فكرة التّوحيد، بالتّلازم مع مركزيّة الآخرة، النّواة الصّلبة في إعادة صياغة العقلية المسلمة؛ لذا يتواتر في النّص القرآني ربط الإيمان بالبعث، كرافعةٍ وجودية تنقل المؤمن من ضيق ذاته وهواه، وعتمة العدمية والمادية الدنيوية، إلى فضاء العبودية الرّحب. ومن رحم هذا التّحول، أعاد الوحي تعريف مفهومي “الخسارة” و”الفوز”، مصلحاً بهما بوصلة الرّؤية الإنسانية.
أوّلاً: الخسران بين المنظور المادي والمعيار الأخروي:
يقول تعالى في سورة التّوبة: ﴿كَالَّذينَ مِن قَبلِكُم كانوا أَشَدَّ مِنكُم قُوَّةً وَأَكثَرَ أَموالًا وَأَولادًا فَاستَمتَعوا بِخَلاقِهِم فَاستَمتَعتُم بِخَلاقِكُم كَمَا استَمتَعَ الَّذينَ مِن قَبلِكُم بِخَلاقِهِم وَخُضتُم كَالَّذي خاضوا أُولئِكَ حَبِطَت أَعمالُهُم فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الخاسِرونَ﴾
إنّ القراءة السّطحية لهذه الآية قد تقف مبهورةً أمام مظاهر القوّة، والسَّعَة، والتّكاثر؛ بيد أنّ القرآن يكشفها كعزّةٍ واهية وبنيانٍ متصدّع غشاه التّرف. لقد دمغهم الوحي بوصف “الخاسرين” رغم حيازتهم لأسباب الهيمنة المادية، لأنّهم ضيعوا رصيد الآخرة، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الزّمر: ﴿قُل إِنَّ الخاسِرينَ الَّذينَ خَسِروا أَنفُسَهُم وَأَهليهِم يَومَ القِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الخُسرانُ المُبينُ﴾.
إنّ الانغماس في المادية وإنكار البعث يجعل السّعي البشري هباءً منثوراً تذروه الرّياح: ﴿مَن كانَ يُريدُ الحَياةَ الدُّنيا وَزينَتَها نُوَفِّ إِلَيهِم أَعمالَهُم فيها وَهُم فيها لا يُبخَسونَ أُولئِكَ الَّذينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلَّا النّارُ﴾ [هود]. فالخسارة الحقيقية إذن هي الانقطاع في اليوم الآخر، حيث لا تنفع توبةٌ ولا يُستجاب لسؤال رجوع.
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوتُ قالَ رَبِّ ارجِعونِلَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا فيما تَرَكتُ كَلّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِن وَرائِهِم بَرزَخٌ إِلى يَومِ يُبعَثونَ﴾ [المؤمنون]
ثانياً: الفوز الحقيقي والتّحرر من أسر (الخوف والحزن)
في المقابل، يتسامى المفهوم القرآني بالفوز ليخرجه من ضيق الرّؤية الدّنيوية القاصرة —التي جرت على لسان صاحب الجنتين في سورة الكهف: ﴿أَنا أَكثَرُ مِنكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾— وينقله إلى أفق الجلال الأخروي في سورة الأنعام: ﴿مَن يُصرَف عَنهُ يَومَئِذٍ فَقَد رَحِمَهُ وَذلِكَ الفَوزُ المُبينُ﴾.
وعلى الصّعيد النّفسي، ينعكس هذا الميزان تحريراً للإنسان من ثنائية (الخوف والحزن) الحاكمة للوعي الدّنيوي المأزوم؛ فالإنسان المستغرق في المادية يعيش طيلة عمره أسيراً لقلق دائم: خوفٍ مسبق من خسارة المكتسبات (كالمنصب، أو المال، أو الولد، أو المسكن)، وحزنٍ مضنٍ إذا ما نزلت به الخسارة فعلاً. في حين يأتي الإيمان الصّادق لينزّل السّكينة على القلب، مستثنياً المؤمن من هذا القيد الوجودي؛ لعلمه أنّ الدّنيا دار عبور لا خلود، وأنّ الفوز الحقيقي والعيش الأبدي هما جوار الرّحمن، حيث يتجلى الوعد الإلهي لأوليائه: ﴿أَلا إِنَّ أَولِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس].
ثالثاً: حركية الإيمان والعمل (من الصلاح إلى الإصلاح)
من رحم هذا التّحرر النّفسي، يستخلص المؤمن معادلة الفوز الحقيقي القائمة على التّكامل البنيوي بين الإيمان والعمل الصّالح. وهو التّكامل الذّي يمثّل طوق النّجاة الوحيد من قانون الخسران الحتمي العابر للأزمان، كما تؤصّل سورة العصر؛ فالإنسان في خسرٍ مطلق في كل عصر، إلا مَن استثنى نفسه بالجمع بين الإيمان الحقيقي والعمل الصالح الفعّال.
والعمل هنا ليس انزواءً صوفياً بارداً، بل هو حركة حية في الأرض تجسّد حقيقة “التّقوى” التي عرّفها ابن القيّم بقوله: «وحقيقة التّقوى العمل بطاعة الله». فالإسلام حين يمسّ الرّوح يبعث فيها الفعالية، محولاً الإنسان من حالة الموات والجمود إلى الكينونة الفاعلة: ﴿أَفَمَن كَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [الأنعام]. وهذا العمل يجب أن يكون خالصاً، وذا مبدأ وغاية تتجاوز الأنا الفردية، مصداقاً للبيان الوجودي: ﴿قُل إِنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحيايَ وَمَماتي لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ﴾ [الأنعام].
ومن ثمّ، يتجاوز العمل الصالح حدود الفرد ليتشابك مع مصير الجماعة عبر شعيرة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. وبناءً عليه، لم يجعل الإسلام النّجاة مسألة انعزالية، بل ربط صلاح الفرد بمسؤوليته عن حفظ ميزان الحق في المجتمع، وبسبب هذا الخروج من حيّز الفردانية إلى الأفق الأممي نالت الأمّة تزكيتها: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعروفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾ [آل عمران]. وفي المقابل، جاء التّحذير النّبوي الصّارم على لسان أمّ المؤمنين عائشة حين سألت: “أنهلك وفينا الصالحون؟” قال: “نعم، إذا كثر الخبث”.
خلاصة القول:
إنّ نيل الفوز والبشرى في المنظور القرآني مشروط بالتّلازم البنيوي بين الصّلاح الذّاتي والإصلاح المجتمعي. فمتى غاب فعل الإصلاح وكثر الخبث، حبط السّعي وضاع الميزان الأخلاقي الذي أقيمت عليه الأمّة، وتحولت الحضارة إلى هيكل مادي بارد ينتظر مصير الخسران.