فقه الواقع وأزمة الوعي: كيف اتسعت الفجوة بين النص والحياة؟
بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
ارتبطت رسالة الإسلام منذ نزول الوحي بهداية الإنسان وإصلاح الحياة؛ فجاءت النصوص الشرعية لتبني التصور، وتهذب السلوك، وتوجه حركة المجتمع، وتقود العمران وفق مقاصد العدل والرحمة والهداية. ومن هنا قامت العلاقة بين الوحي والواقع على أساس التوجيه والبناء؛ فالوحي يرسم الوجهة، والواقع يمثل مجال الحركة والتنزيل، والإنسان يتحرك بينهما مسترشدا بنور الهداية وبصيرة الفهم.
وفي خضم التحولات الفكرية والثقافية والإعلامية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ إذ اتسعت في بعض البيئات المسافة بين المعرفة بالنصوص الشرعية والقدرة على تنزيلها على الوقائع المتجددة، وبين حضور الخطاب الديني وبناء الرؤية القادرة على تفسير الأحداث واستيعاب التحولات وفهم تعقيدات الواقع. ومع اتساع هذه المسافة أخذت أزمة الوعي تفرض حضورها في ميادين الفكر والثقافة والاجتماع، وأثرت في طرائق الفهم وبناء المواقف تجاه كثير من القضايا المعاصرة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري يتصل بواحدة من أكثر قضايا العصر تأثيرا في مسار الخطاب الإسلامي: كيف اتسعت الفجوة بين النص والحياة؟ وكيف تشكلت أزمة الوعي في بيئة تتوافر فيها النصوص ومصادر الهداية؟ وما المسارات القادرة على استعادة التوازن بين هداية الوحي ومتطلبات الواقع؟
وتكتسب هذه القضية أهميتها من اتصالها بمنهج الفهم، وطبيعة التنزيل، ووظيفة البيان الشرعي، وقدرة الأمة على بناء وعي راشد يجمع بين فقه النص وفقه الواقع. ولتتضح معالم هذه الإشكالية، يحسن الوقوف على عدد من المحاور التي تكشف جذورها، وتفسر أسبابها، وتبين آثارها، وتستعرض سبل معالجتها.
أولا: تضخم الخطاب وتراجع الفهم
تتمثل إحدى الظواهر البارزة في المشهد الإسلامي المعاصر في الاتساع الكبير لمساحات الخطاب الديني داخل المجال العام؛ إذ أصبحت الفتاوى والبرامج الدعوية والتعليقات الشرعية والتحليلات الفكرية حاضرة بصورة يومية في مختلف وسائل التواصل والإعلام. كما أسهم التطور التقني في تسريع انتقال الآراء والمواقف إلى جمهور واسع يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
وأنتج هذا التدفق المتواصل حالة من الزخم المعرفي أتاحت للناس قدرا كبيرا من الوصول إلى المعلومات والمواد الشرعية، ووسعت دائرة الاهتمام بالقضايا الدينية والفكرية. غير أن هذا التوسع كشف في الوقت نفسه عن حاجة متزايدة إلى أدوات الفهم والتحليل والترتيب؛ لأن كثرة المعلومات تفتح أبواب المعرفة، بينما ينهض الفهم بمهمة الربط بين المعطيات واستيعاب دلالاتها وسياقاتها.
ومع التسارع المستمر في تداول الأخبار والمواقف، أصبحت كثير من القضايا تنتقل بسرعة من مرحلة العرض إلى مرحلة التقويم وإصدار الأحكام، قبل اكتمال صورتها أو استيعاب أبعادها المختلفة. ونتج عن ذلك حضور واسع للتفاعل مع الوقائع يقابله تفاوت في القدرة على تحليلها وقراءتها ضمن سياقاتها الأوسع.
كما اتجه جانب من الاهتمام العام إلى متابعة الأحداث اليومية المتلاحقة، في حين تتطلب التحولات الفكرية والاجتماعية والثقافية قراءة أعمق تستوعب جذور الظواهر ومساراتها ومآلاتها، وتربط الجزئيات بالإطار الكلي الذي تنتظم داخله.
وتبرز آثار هذه الظاهرة بصورة أوضح لدى الأجيال الشابة التي تنفتح على كم هائل من الرسائل والأفكار والاتجاهات المتنوعة، وتسعى إلى بناء تصور متماسك حول الهوية والقيم والمعرفة وموقع الدين في عالم سريع التحول. ومن هنا تزداد أهمية الخطاب القادر على الجمع بين سلامة التأصيل ودقة التحليل وحسن قراءة الواقع.
وقد ربط القرآن الكريم بين الدعوة والبصيرة، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. والبصيرة هنا تمثل الإدراك الذي يكشف حقائق الوقائع، ويعين على فهم العلاقات بين الأسباب والنتائج، ويوجه النظر إلى المآلات والاتجاهات العامة.
وتقود هذه الظاهرة إلى البحث في العوامل الأعمق التي أسهمت في تشكيل البيئة الفكرية المعاصرة، وأثرت في طريقة فهم التحولات المتسارعة التي يعيشها الإنسان والمجتمع.
ثانيًا: التحولات المعاصرة وإنتاج التعقيد
تشكلت البيئة التي نشأت فيها أزمة الوعي عبر تحولات عميقة شهدها العالم خلال العقود الأخيرة. فقد تسارعت حركة المعرفة، واتسعت دوائر الاتصال، وتداخلت الثقافات، وتعاظم تأثير الإعلام، حتى أصبحت المجتمعات تعيش في فضاء مفتوح تتقاطع فيه المؤثرات الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية بصورة غير مسبوقة.
وأمام هذه التحولات اكتسب الواقع قدرا أكبر من التشابك؛ فلم تعد القضايا العامة تتحرك داخل مجال واحد، بل أصبحت تتداخل فيها أبعاد متعددة تجعل فهمها بحاجة إلى قراءة مركبة تستوعب العوامل المؤثرة والعلاقات المتبادلة بين الظواهر والأحداث.
كما أفرزت التحولات المتسارعة أسئلة جديدة تتصل بالهوية والقيم والمعرفة والعلاقات الإنسانية وموقع الدين في المجال العام، وهي أسئلة تتطلب وعيا بالسياقات التي أنتجتها، وفهما للمتغيرات التي تحيط بها، وقدرة على الربط بين جذورها الفكرية وآثارها العملية.
وزادت البيئة الرقمية من تعقيد المشهد؛ إذ أصبح الإنسان يتعرض يوميا لكم هائل من الأخبار والرسائل والتفسيرات المتنافسة، مما رفع من سرعة التفاعل مع الوقائع، وأضفى على المجال العام حالة دائمة من الحركة والتبدل.
وتزامن ذلك مع اتساع دوائر الاستقطاب الفكري والإعلامي، فأصبحت كثير من القضايا محل تجاذب بين اتجاهات متعارضة، وتحولت بعض النقاشات إلى ساحات للمواقف المسبقة أكثر من كونها ميادين للفهم والتحليل.
ومن خلال تفاعل هذه المتغيرات تشكل واقع جديد شديد التركيب، وأصبحت قراءة الأحداث والقضايا أكثر احتياجًا إلى أدوات معرفية قادرة على استيعاب التعقيد وفهم العلاقات بين الظواهر المختلفة. وعند هذه النقطة برز سؤال المنهج الذي ينبغي أن يوجه التعامل مع هذا الواقع المتحول، وهو ما يقود إلى جوهر الإشكالية في العلاقة بين النص والتنزيل.
ثالثا: اختلال التنزيل واضطراب الميزان
تتمثل النقطة الأكثر حساسية في هذه الأزمة في الكيفية التي تُبنى بها العلاقة بين النص الشرعي والواقع المتغير. فالشريعة جاءت لهداية الإنسان وتقويم مساره وتحقيق مقاصد العدل والرحمة والصلاح، ولذلك ارتبطت فاعلية الأحكام بحسن فهم النصوص وحسن تنزيلها على الوقائع.
ويتحقق التنزيل الراشد من خلال الجمع بين إدراك الحكم الشرعي وفهم المجال الذي ينزل عليه؛ لأن الوقائع تختلف في ظروفها وملابساتها وآثارها ومآلاتها، ويحتاج التعامل معها إلى تقدير يضع كل حكم في موضعه المناسب.
وعندما يضعف هذا التكامل، يظهر الخلل في ميزان الفهم؛ فتضطرب عملية التقدير، وتتراجع القدرة على التمييز بين الثوابت والمتغيرات، وبين المقاصد والوسائل، وبين الأحكام الكلية والصور الجزئية التي تتجدد بتجدد الوقائع.
ولهذا ربط علماء الإسلام بين فقه النص وفقه الواقع، وعدوا الجمع بينهما أساسا للاجتهاد الرشيد. وقد لخّص الإمام ابن القيم هذه الحقيقة بقوله: «لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى بالحق إلا بنوعين من الفهم: فهم الواقع، وفهم الواجب في الواقع» (ابن القيم، إعلام الموقعين، 1/69).
ومن هنا تتجاوز الأزمة حدود تباين الاجتهادات إلى مستوى أعمق يتعلق بالمنهج الذي تتشكل من خلاله الرؤية الشرعية للأحداث والتحولات. فكلما ازداد الانسجام بين النص والتنزيل ازداد الفهم رسوخًا واتزانًا، واتسعت القدرة على قراءة الواقع في ضوء هداية الوحي ومقاصده.
وعند هذا المستوى تبرز أهمية المنهج الذي أقامته الشريعة لتحقيق هذا التوازن، وهو المنهج الذي حفظ للنصوص فاعليتها، وربط الأحكام بمقاصدها، وأبقى الوحي موجها للحياة عبر مختلف الأزمنة والبيئات.
رابعا: المنهج الشرعي وصناعة التوازن
أقامت الشريعة الإسلامية علاقتها بالحياة على توازن دقيق يجمع بين ثبات الهداية وحكمة التنزيل؛ فالوحي يحدد الأصول والغايات، والواقع يمثل مجال التطبيق والاجتهاد. ومن خلال هذا البناء المتكامل حافظت الشريعة على قدرتها في توجيه الإنسان والمجتمع واستيعاب التحولات المتعاقبة مع بقاء مرجعيتها ومقاصدها ثابتة.
ويتجلى هذا المنهج منذ بداية نزول القرآن الكريم؛ فقد نزل منجماً خلال ثلاث وعشرين سنة مواكبًا لمراحل بناء الجماعة المسلمة وتطور أوضاعها وتحدياتها، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: 106]. ويكشف هذا التدرج عن ارتباط البيان الإلهي بحركة الحياة، وعن حضور الحكمة في التربية والإصلاح والتوجيه.
كما راعت الشريعة أحوال الناس وقدراتهم وظروفهم المختلفة، وربطت جملة من الأحكام بمعاني الاستطاعة والطاقة ومقتضيات الواقع، قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66]. وتبرز هذه الآية حضور المقصد الشرعي في توجيه الحكم، وحضور الواقع في مجال تنزيله.
وجسدت السنة النبوية هذا المنهج في أرقى صوره؛ فقد كان النبي ﷺ يراعي اختلاف الأحوال والأشخاص والقدرات عند الإرشاد والفتوى والتوجيه. ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخّص له، وسأله آخر فنهاه، فكان الذي رخّص له شيخًا والذي نهاه شابًا. كما قال ﷺ لعائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه» (البخاري، الصحيح، رقم 1586، ومسلم، الصحيح، رقم 1333). وتكشف هذه المواقف أن الفتوى والبيان يرتبطان بمعرفة الأحوال ومراعاة المآلات، وأن الهداية الشرعية تجمع بين صحة الحكم وحسن تنزيله.
وسار الصحابة رضي الله عنهم على هذا النهج، ويبرز عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثالًا بارزًا في فقه الواقع وفقه المآلات؛ فقد نظر إلى الأحكام من خلال عللها ومقاصدها ومجالات تطبيقها. ومن أشهر اجتهاداته موقفه من سهم المؤلفة قلوبهم بعد قوة الإسلام واستقرار الدولة، ورؤيته في عام الرمادة حين راعى آثار المجاعة والاضطرار، وموقفه من أراضي السواد بالعراق حين أبقاها موردًا عامًا للمسلمين حفظًا للمصلحة العامة وحقوق الأجيال اللاحقة. وتكشف هذه النماذج أن فقه الصحابة جمع بين فهم النصوص وإدراك الواقع وربط الأحكام بمقاصدها وآثارها.
ثم واصل علماء الأمة ترسيخ هذا المنهج في قواعد الاجتهاد والفتوى؛ فبينوا أثر الأحوال والأعراف والمتغيرات في عملية التنزيل، وأكدوا أن الفقه الراشد يقوم على الجمع بين فهم النص وفهم الواقع. ومن هذا المنطلق قرر الإمام ابن القيم رحمه الله أن «تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد» (إعلام الموقعين، 3/11)، كما قال الإمام القرافي رحمه الله: «الجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين» (الفروق، 1/176). ولهذا أكد ابن القيم أن «المفتي والحاكم لا يتمكنان من الفتوى بالحق إلا بنوعين من الفهم: فهم الواقع، وفهم الواجب في الواقع» (إعلام الموقعين، 1/87).
ومن هنا يتضح أن المنهج الشرعي في صناعة التوازن يقوم على ثلاثة أركان متكاملة: نص يهدي، ومقصد يوجه، وواقع يُنزل عليه الحكم. وعندما تتكامل هذه الأركان يتحقق الفهم الراشد، وتتصل الهداية بحركة الحياة، وتبقى الشريعة قادرة على أداء رسالتها في البناء والإصلاح والعمران عبر مختلف الأزمنة والتحولات.
خامسا: امتدادات الخلل في الوعي والعمران
حين تتسع الفجوة بين النص والحياة، تمتد آثارها إلى دوائر متعددة تبدأ ببنية الوعي الفردي، ثم تتسع لتشمل الخطاب العام، والعلاقات الاجتماعية، ومسار البناء الحضاري للأمة. فالقضية لا تقف عند حدود خطأ في التقدير أو قصور في فهم مسألة جزئية، وإنما تمس طريقة النظر إلى الواقع، وآليات تكوين المواقف، ومعايير ترتيب الأولويات.
وتظهر أولى هذه الآثار في اضطراب الرؤية لدى كثير من الأفراد؛ إذ تتزاحم المعلومات والآراء والتفسيرات دون إطار معرفي يجمعها ويربط بينها. وعند هذه المرحلة تتراجع القدرة على التمييز بين الأصول والفروع، وبين القطعيات والاجتهاديات، وبين المقاصد الكبرى والقضايا الفرعية، فتزداد الحاجة إلى مرجعية علمية تبني الفهم وتوجه النظر.
ويمتد أثر الخلل إلى المجال الفكري؛ حيث يضعف الربط بين الجزئيات والكليات، وتفقد بعض القضايا موقعها داخل الصورة الشاملة التي تنتظمها. وعندما يغيب هذا التوازن تتشتت الأولويات، وتتوزع الجهود بين موضوعات متفرقة، بينما تحتاج التحديات الكبرى إلى رؤية أكثر عمقًا واتساعًا.
كما ينعكس ذلك على طبيعة الخطاب العام؛ فتتقدم سرعة التفاعل على عمق التحليل، وتزداد مساحة التعليق على الأحداث، بينما تتعاظم الحاجة إلى تفسير الظواهر وكشف أسبابها واستشراف مآلاتها. ومن هنا تنشأ فجوة بين كثافة الحضور الخطابي وبين القدرة على صناعة الرؤية وترشيد الاتجاه.
وتظهر آثار الأزمة كذلك في المجال الاجتماعي؛ حيث تتسع أحيانًا مساحات التوتر حول قضايا تحتمل الاجتهاد والنظر، وتتراجع ثقافة استيعاب التنوع الفقهي والفكري، فتزداد الحاجة إلى وعي يرسخ فقه الاختلاف وآداب الحوار وحسن التقدير.
أما الأثر الأعمق فيتصل بمسار العمران الحضاري؛ لأن الأمم تبني نهضتها من خلال وضوح الرؤية، وحسن توجيه الطاقات، وترتيب الأولويات، وربط العلم بالعمل، والقيم بالمشروعات. وعندما يعتري الوعي شيء من الاضطراب تتبدد جهود كثيرة في قضايا محدودة الأثر، بينما تتقدم تحديات العلم والتنمية والتربية والإصلاح إلى واجهة الاحتياج الحضاري.
ولهذا تمثل أزمة الوعي قضية تتجاوز المجال الفكري إلى المجال الحضاري الواسع؛ لأنها ترتبط بقدرة الأمة على فهم واقعها، وتحديد وجهتها، وبناء مشروعها الإصلاحي في عالم سريع التحول والتغير.
سادسا: إعادة بناء الرؤية والاتجاه
تقتضي معالجة أزمة الوعي الانتقال من مرحلة تشخيص الخلل إلى مرحلة بناء الرؤية القادرة على توجيه الفكر والحركة في عالم متسارع التحولات. فالقضية في جوهرها تتعلق بإعادة تشكيل العقل المسلم على نحو يجمع بين رسوخ المرجعية ووضوح الوجهة وحسن التعامل مع معطيات العصر.
ويأتي بناء الوعي المقاصدي في مقدمة متطلبات هذا المسار؛ لأن المقاصد تمنح النظر الشرعي أفقه الكلي، وتربط الجزئيات بغاياتها، وتساعد على ترتيب الأولويات وفق ما يحقق مصالح الأمة ويخدم رسالتها. وقد قرر الإمام الشاطبي رحمه الله أن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل (الموافقات، 8/2).
كما تبرز الحاجة إلى تجديد وظيفة البيان الشرعي ليؤدي دوره في صناعة البصيرة وتوجيه الرؤية العامة. فالبيان الناجح لا يكتفي بعرض الأحكام، بل يفسر التحولات، ويكشف دلالات الأحداث، ويعين الناس على فهم الواقع في ضوء هداية الوحي، قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].
ويشكل إعداد الكفاءات العلمية المؤهلة أحد المرتكزات الأساسية في هذا البناء؛ إذ تحتاج الأمة إلى علماء وباحثين يمتلكون عمق التكوين الشرعي، وسعة الإدراك الفكري، والقدرة على تحليل القضايا المعاصرة واستيعاب تعقيداتها، بما يعزز حضور الرؤية الشرعية في ميادين الفكر والثقافة والاجتماع.
كما تضطلع المؤسسات العلمية والتربوية والإعلامية بدور محوري في ترسيخ ثقافة الفهم المنهجي، وتنمية مهارات التحليل والترجيح، وتعزيز الوعي بطبيعة التحولات التي يشهدها العالم المعاصر. ومن خلال هذا الدور تتكون أجيال أكثر قدرة على التمييز بين الحقائق والانطباعات، وبين الثوابت والمتغيرات، وبين القضايا المركزية والقضايا الهامشية.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى أهمية بناء الوعي الجماعي القائم على العلم والتفقه، فقال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. فالتفقه في التصور القرآني أساس لبناء الرؤية، وحماية المجتمع، وترشيد مساره.
وعندما تتكامل هذه المرتكزات، يستعيد الوعي قدرته على توجيه الفكر والحركة، وتتضح الأولويات، وتتقارب المعرفة والعمل، ويغدو الخطاب أكثر قدرة على الإسهام في البناء والإصلاح. وعندئذ تتجدد الصلة بين الوحي والحياة، ويتحول الوعي الراشد إلى قوة فاعلة في صناعة الإنسان والعمران والمستقبل.
الخاتمة
تكشف أزمة الوعي التي تعيشها الأمة في هذا العصر عن حقيقة مركزية تتمثل في أن قوة النصوص وحدها لا تكفي لصناعة النهضة ما لم تقترن بوعي يحسن الفهم، وبصيرة تحسن التنزيل، ورؤية تربط بين هداية الوحي وحركة الحياة. فالوحي أنزل ليقود الإنسان في واقعه، ويهدي المجتمع في مساره، ويوجه العمران في مقاصده، ومن هنا ارتبطت فاعلية النصوص بسلامة الوعي الذي يتلقى الهداية ويفقه مقاصدها ومجالات عملها.
وقد بينت مسيرة الرسالة الإسلامية منذ عهد النبوة أن العلاقة بين النص والواقع قامت على التكامل والانسجام؛ فالنص يحدد الوجهة، والمقاصد تكشف الغاية، والواقع يمثل مجال الحركة والتنزيل. ومن خلال هذا التوازن حافظت الشريعة على أصالتها وفاعليتها، واستطاعت أن تقود الإنسان في ظروف متغيرة وأزمنة متعاقبة دون أن تفقد ثباتها أو حيويتها.
ومن هنا تتجاوز قضية فقه الواقع حدود الجدل الفكري أو النقاش الأكاديمي؛ لأنها تتصل بطريقة بناء الوعي نفسه، وبالمنهج الذي تتكون من خلاله الرؤية الشرعية تجاه الأحداث والتحولات والقضايا المستجدة. فكلما ازداد الوعي رسوخًا واتساعًا، ازدادت القدرة على فهم الوقائع في ضوء الوحي، وعلى تنزيل الأحكام في مواضعها، وعلى التمييز بين الثابت والمتغير، وبين المقاصد والوسائل، وبين ما يرتبط بأصول الدين وما يدخل في دوائر الاجتهاد والنظر.
ولهذا فإن الحاجة في المرحلة الراهنة تتجه إلى بناء جيل يمتلك سلامة التأصيل وعمق الفهم وحسن القراءة للواقع، جيل يجمع بين العلم والبصيرة، وبين المقاصد والتنزيل، وبين فقه النص وفقه الحياة. فبهذا التوازن تستعيد المعرفة وظيفتها في الهداية، ويستعيد الخطاب رسالته في البناء، ويستعيد المجتمع قدرته على التعامل مع التحديات بعقل راشد ورؤية متزنة.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات، وتتزاحم فيه الأفكار والمشروعات والرؤى، يبقى الوعي الراشد أعظم ما تملكه الأمم لحماية هويتها وتوجيه مسارها وصناعة مستقبلها. وحين ينجح المسلم في وصل الوحي بالحياة، وربط الإيمان بالعمران، وجعل النص منطلقا للفهم والحركة والبناء، تضيق الفجوة بين الهداية والواقع، ويتحول العلم إلى قوة إصلاح، ويتحول البيان إلى صناعة للوعي، وتستعيد الأمة قدرتها على أداء رسالتها الحضارية بثقة وبصيرة واتزان. وعند هذه النقطة تبدأ رحلة النهوض الحقيقية؛ لأن النهضة في جوهرها ثمرة وعي يبصر سنن الله في الوحي والحياة معًا، ويهتدي بهدي الرسالة في قراءة الواقع وتوجيهه، ويحول القيم إلى حركة، والمعرفة إلى بناء، والإيمان إلى قوة فاعلة في صناعة الإنسان والعمران والتاريخ