كيف يغرس المؤمن فسيلته في زمن الفتن؟
بقلم: د. هبة عنتر
أمام الأهوال الّتي يعيشها العالم اليوم بشكل عام، والأمّة بشكلٍ خاص، تلك الأهوال المتسارعة الّتي تشابه أشراط السّاعة؛ يبرز للعقل المسلم المعاصر الحديث النّبويّ الشّريف الشّاخص كمنارة هدى: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ».
وأمام التّصديق الإيمانيّ بكلام خير المرسلين من جهة وأمام الهرج والمرج الّذي يموج فيه واقعنا المعاصر من جهة أخرى، يقف المؤمن لينظر في كفّيْهِ ليتساءل: أفي يدي فسيلة؟ ثمّ تسائله نفسه في حديث خفيّ مرير: أيّ فسيلة هذه الّتي أملكها أمام جنود الثّغور وأصحاب الأنفاق؟
إن البحث عن العطاء في زمن السيولة والفتن يتطلب معالم واضحة تعيد بَعث النية، وتطرد عجز الاستضعاف؛ وفيما يلي أربع معالم مركزية تساهم في إنبات الفسيلة بين يدي المؤمن الصادق، وتحركه للغرس في زمن سُكرت فيه الأبصار، وشابت فيه الهمم، وانعدم فيه المعنى:
أوّلاً: النّيّة: صيانة المنطلق وتصحيح البوصلة
لأنّ الدّنيا ليست نزهة عابرة بل هي “كدحٌ مستمر”، وسعيٌ لا يهدأ، وعناء لا ينقضي حتّى الوصول؛ كما أبان الله تعالى في سورة الانشقاق: ﴿يا أَيُّهَا الإِنسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدحًا فَمُلاقيهِ﴾، كانت النّيّة بذلك هي المبدأ ومطلع كلّ سير.
هي البوصلة الّتي تحدّد غاية العمل ومآله، فبالنّيّة يكتسب الجهد معناه، فلا يركض الإنسان بعدها خبط العشواء في التّيه، بل يمشي سوّيًا على صراط مستقيم.
لذا فقد أولى الإسلام أهمّيةً شديدةً لنيّة العمل؛ فصلاح العاقبة بصلاح المنطلق، ومن بطلت نيّته بطل عمله وإن ملا السّمع والبصر مصداقًا لقوله ﴿وَقَدِمنا إِلى ما عَمِلوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلناهُ هَباءً مَنثورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]
لذا، فإنّ أوّل غرس للفسيلة يبدأ من الدّاخل؛ بأن يسأل المؤمن ربّه الإخلاص والقبول قبل الشّروع في الحركة، ثم يمضي مستعيناً به متوكلاً عليه.
ثانياً: فقه الوسع: عبادة “المتاح” والتّحرر من وثنية الحجم
من أكثر الآفات النّفسيّة الّتي تنعكس سلبًا على المؤمن المعاصر، مقارنة نفسه بغيره من أصحاب الثّغور المتقدّمة، لاسيّما المرابطين منهم على ثغور الجهاد المباشر، ممّن يستشعر المرء أثر عملهم ملموساً، ويرى ثمرته عاجلة.
ومع أنّ المؤمن مطالبٌ بأن يطمح للفردوس ويسعى لتزكية نفسه وعمله، إلّا أنّ المقارنة مع أهل الثّغور حين تشطّ عن حدّها المحمود تتحوّل من دافع محرّك للعمل، إلى مانع مثبّط عنه، يورث النّفس شعوراً بالعدمية والدّونيّة.
إنّ القاعدة التّربوية النّبوية الصّارمة تقطع دابر هذا الاحباط بقَوْلِهِ ﷺ: «لا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ». إنّ احتقار الذّات والجهود المتاحة يطفئ جذوة الهمة ويقتل المبادرة.
وقد أسّست الآيات القرآنية لمعادلة “مضاعفة الأثر” لا ضخامة الحجم؛ فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذينَ يُنفِقونَ أَموالَهُم في سَبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَت سَبعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَ شاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]
وقال عزّ وجلّ: ﴿لِيُنفِق ذو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزقُهُ فَليُنفِق مِمّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلّا ما آتاها سَيَجعَلُ اللَّهُ بَعدَ عُسرٍ يُسرًا﴾ [الطلاق: ٧]
إنّ العبد إذا أخلص لله قلبه، بارك الله في يسير عمله؛ فالدّرهم الخالص قد يسبق في الميزان ألف دينار، والنار تُتقى بشق تمرة، والجنة قد تُنال بسقيا كلب!
لذا فالأولى فقهياً ونفسياً أن ينظر الإنسان إلى ما بين يديه في اللّحظة الآنية، فـعن هذا “الوسع المتاح” وحده سوف يُسأل
ثالثاً: جهاد السريرة.. أفي قلبك شرخ يُؤتى الإسلام منه؟
يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ميدانكم نفوسكم؛ فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر، وإن خُذلتم فيها كنتم عن غيرها أعجز، فجربوا معها الكفاح أولاً».
إنّ المفلح حقّاً هو من زكّى نفسه، وجاهد شحَّها وهواها وشيطانها؛ ليطهِّرها من أمراض السّرائر كالرّياء والكبرياء والحسد والجبن وغيرها. لقد كان النّبي ﷺ يديم التّعوذ من شرور النّفس وسيّئات الأعمال، لأنّ الفاعل الواهن أو المرائي يمثّل منفذاً خفياً يتسلل منه الشّيطان ليهدم سدّ الأمّة، وما درع الأمّة الحصين إلّا قلوب المؤمنين الصّادقين.
ومتى طهّرت الرّوح، صلُحَت النّيّة ومتى صلُحت النّية تقبّل العمل وغدا طاعةً وقربة
رابعاً: أين ثغرك؟.. تنوع الأدوار وتكامل المشروعات
لكي يبصر الإنسان فسيلته الخاصّة، لابدّ له من وقفة صدق مع نفسه لينظر: ماذا يحسن؟ وما الأدوات والمواهب التي استخلفه الله فيها؟ وما الموقع الذي يقيمه الله فيه؟
إنّ الأعمال متّسعة، والثّغور كثيرة، ولا يشترط أن يقلّد المرء أخاه، فلكلٍّ ثغر ولكلٍّ جهد ولكلٍّ أجر. يقول الرسول ﷺ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ وَاحِدٍ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ، وَالْمُمِدَّ بِهِ، وَالرَّامِيَ بِهِ».
فلم يكن كلّ الصّحابة رضوان الله عليهم على ثغر واحد، بل كانت حركة المجتمع النّبوي قائمة على تنوّع الطّاقات وتكاملها؛ ففيه خالد القائد، وابن مسعود القارئ، والزّبير الفارس، وابن عوف التّاجر، وبلال المؤذن.
وقد أصّل القرآن لهذا التّكامل في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ…﴾. ومن اللّفتات العملية الشّديدة النّفع في العصر الحالي للباحثين عن ثغورهم، تلك القاعدة التي صاغها المفكر د. جاسم سلطان: “كن مشروعاً، أو كوّن مشروعاً، أو ادعم مشروعاً”.
ختاما، إنّ ثغور الأمّة كثيرة، وأبواب الخير مشرّعة لمن أراد، وهذه القواعد ما هي إلا عدسة مكبرة ليرى الإنسان الفسيلة الّتي وضعها الله بين يديه وتحت ناظريه، فيُقْبِل على غرسها ويسأل الله الإنبات الحسن.
وليتذكّر المؤمن دائماً أنّ المفهوم العميق للغرس الرساليّ هو ما أشار إليه الفارس أحمد شقير: أن تزرع أشجارًا لا تتوقع أن تجلس تحت ظلّها!
فإذا كانت في يدك فسيلة فلتغرسها، ولا تشغل عقلكَ وقلبكَ بسؤال: كيف تنمو وحولها الرّياح والأعاصير؟ ولا متى تثمر؟ فليس هذا من حركتك ولا من تكليفك؛، إنّما عليك أن تصدق النّية، وتجوِّد العمل، ثمّ تستودع الغرس لمن بيده ملكوت كل شيء.