حرية الرأي والتعبير بين الإطلاق والمسؤولية الشرعية
بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهوية والتحولات الحضارية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
تتبوأ الكلمة في الإسلام منزلةً رفيعة؛ فهي الترجمان الصادق عما يختلج في العقل، والبيان الذي تتجلى به المعاني، والجسر الذي تعبر به المعرفة إلى العقول. وبها يُجهر بالحق، ويُبلَّغ العلم، وتُبنى القناعات، وتُقام دعائم العدل، وتُغرس قيم الخير. وقد رفع الوحي شأنها، وربطها بالأمانة، وجعلها من أعظم ما يُسأل عنه الإنسان؛ لما يترتب عليها من آثارٍ تمتد إلى الفرد والأمة.
ومن هذا الأصل نشأت حرية الرأي والتعبير، متصلةً بتكريم الله تعالى للإنسان، ومنبثقةً من رسالة الاستخلاف، لتفتح آفاق النظر، وتُعين على الشورى، والشهادة، والنصح، والتواصي بالحق. وصاغها الإسلام في إطارٍ رباني تستنير فيه بهداية الوحي، ويرشدها العلم، وتزكيها الأخلاق، فتغدو الكلمة سبيلًا إلى البناء والإصلاح.
وعلى هذا الأساس تتأسس الرؤية الإسلامية لحرية الرأي والتعبير؛ رؤيةٌ تجعل الوحي مرجعها، والكرامة الإنسانية منطلقها، ومقاصد الشريعة غايتها، فتتحول الكلمة إلى رسالةٍ راشدة، تسهم في بناء الإنسان، واستقامة المجتمع، وعمارة الأرض على هدى الله تعالى.
حرية التعبير ثمرة التكريم الإلهي
تنبثق حرية الرأي والتعبير في الإسلام من التكريم الذي خصَّ الله تعالى به الإنسان؛ إذ أكرمه بالعقل الذي يدرك، والبيان الذي يفصح، والاختيار الذي يميِّز، فصار أهلًا لتحمل التكليف، وإقامة الحجة، وأداء الرسالة. فحرية التعبير ليست حقًا طارئًا على الإنسان، وإنما أثرٌ من آثار الكرامة التي أودعها الله في فطرته، ووسيلةٌ لتحقيق الغاية التي خُلق من أجلها.
وقد قرر القرآن هذا الأصل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، فجعل التكريم أساسًا لعلاقة الإنسان برسالته في الحياة، ثم أبرز من مظاهر هذا التكريم نعمة البيان، فقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1–4]. فكان البيان عطيةً ربانيةً بها يُعبِّر الإنسان عما يعقله، ويبلِّغ ما يعلمه، ويشهد بالحق، ويدعو إلى الخير، ويؤدي مسؤوليته في إصلاح الحياة.
ثم حمَّله الله أمانة التكليف، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]، واستخلفه في الأرض بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، فغدت حرية التعبير وسيلةً لأداء الأمانة، وإقامة الشهادة، وتحقيق الاستخلاف، وبناء العمران على هدى الله.
ومن هنا تغدو حرية التعبير ثمرةً مباشرةً للتكريم الإلهي؛ لأن الإنسان يعبِّر بوصفه مكرمًا، ويشهد بوصفه مكلفًا، ويبلغ بوصفه مستخلفًا. وعندما يستضيء هذا البيان بهداية الوحي، يتحول الرأي إلى أمانةٍ علمية، والكلمة إلى رسالةٍ شرعية.
الوحي يهدي الرأي الرشيد
يستمد الرأي في الإسلام رشده من هداية الوحي؛ فهو الميزان الذي تُوزن به الآراء، والمرجع الذي تُرد إليه موارد الاختلاف، فلا ينطلق الفكر من الهوى، وإنما يهتدي بنور الكتاب والسنة، فتقترب الأحكام من الحق، وتستقيم وجهة الاجتهاد.
وقد قرر القرآن الكريم هذا الأصل بأوضح بيان، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18]، فجعل الهداية ثمرةً لحسن التمييز بين الأقوال واتباع أحسنها. ثم أمر بردِّ موارد الاختلاف إلى الوحي، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، ونهى عن اتباع ما لا يقوم على علم، فقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. فبهذه الأصول تستقيم الآراء، وترشد الاجتهادات، وتستقر الأحكام.
وأكدت السنة النبوية هذا المنهج، ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: «بِمَ تَقْضِي؟» قال: «بكتاب الله». قال: «فإن لم تجد؟» قال: «فبسنة رسول الله». قال: «فإن لم تجد؟» قال: «أجتهد رأيي ولا آلو». فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله» (أبو داود، سنن أبي داود، رقم 3592؛ الترمذي، الجامع، رقم 1327؛ أحمد بن حنبل، المسند، رقم 22008). ويبين هذا الترتيب أن الرأي في الإسلام لا يستقل عن الوحي، بل يستمد منه أصوله، ويهتدي به في اجتهاده، ومن هنا يغدو الرأي الرشيد أساسًا للكلمة المسؤولة.
الرأي الرشيد يثمر الكلمة المسؤولة
إذا استنار الرأي بهداية الوحي، ورسخ بالعلم والفقه، أثمر كلمةً مسؤولةً تحمل الحق، وتؤدي الأمانة، وتعبر عن صدق الاعتقاد وسلامة المقصد. فالكلمة صورة الرأي، ولسان الفكر، وأثر البصيرة، وبها تنتقل القناعات من عالم الإدراك إلى ميدان الإصلاح، فتغدو وسيلةً للهداية، وجسرًا للتواصل، وعنوانًا لخلق صاحبها.
ولهذا أولى القرآن الكريم الكلمة عنايةً عظيمة، فجعلها موضع مراقبةٍ ومسؤولية، فقال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، وأرشد إلى جمال الخطاب بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وقال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، كما وجه إلى استقامة البيان بقوله سبحانه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70]. فاجتمع في الكلمة المسؤولة صدق المقصد، وسداد العبارة، وحسن الأسلوب، فارتقت إلى منزلة العبادة، وأصبحت سبيلًا إلى الإصلاح وبناء الثقة بين الناس.
وأكدت السنة هذا الأصل، فقال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (البخاري، صحيح البخاري، رقم 6018؛ مسلم، صحيح مسلم، رقم 47)، فجعل الخير ميزانًا للكلام، وربط التعبير الصالح بكمال الإيمان. وقال ﷺ: «الدين النصيحة» (مسلم، صحيح مسلم، رقم 55)، فارتفعت الكلمة إلى مقام البلاغ، والإرشاد، والإصلاح، وأداء الأمانة، وتحقيق الخير للناس.
وعندما تصدر الكلمة عن رأيٍ راشد، تؤتي أثرها في بناء الوعي، وتقوية الثقة، وجمع القلوب على الحق، وتغدو أداةً للإصلاح، لا سببًا للفرقة. ومن هنا تبرز أهمية الضوابط الشرعية التي تكفل بقاء الكلمة على رسالتها، وتصون أثرها في الفرد والمجتمع.
الكلمة المسؤولة يحكمها الضبط الشرعي
تكتمل رسالة الكلمة حين تنتظم في إطار الضبط الشرعي؛ فهو الذي يمنحها الاتزان، ويوجه مقصدها، ويحدد سبيلها، فتؤدي رسالتها في الهداية والإصلاح، وتسهم في ترسيخ العدل، وبناء الوعي، وتعزيز الثقة بين أفراد المجتمع. ومن ثم يغدو الضبط الشرعي الضامن الذي يصل بين حرية التعبير ومقاصد الشريعة، ويكفل للكلمة أثرها الحضاري.
ويقوم هذا الضبط على جملة من الأصول المتكاملة؛ فيتقدمها الصدق والتثبت، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، ثم يتعزز بالعدل والإنصاف، تحقيقًا لقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152]، وتزدان الكلمة بالحكمة وحسن البيان، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]. وبهذه الأصول تتشكل شخصية الخطاب الإسلامي؛ خطابًا يجمع بين صدق المعلومة، وعدالة الحكم، وحكمة العرض.
ويمتد الضبط الشرعي إلى النظر في مقاصد الأقوال ومآلاتها؛ إذ ترتبط قيمة الكلمة بما تحققه من مصالح، وما تدفعه من مفاسد، وهو ما قرره الإمام الشاطبي عند حديثه عن اعتبار المآلات، وجعله من تمام الفقه وحسن تنزيل الأحكام (الشاطبي، الموافقات، ج5، ص177). وبذلك تظل الكلمة منسجمة مع مقاصد الشريعة، متوازنة في آثارها، محققة لغاياتها الإصلاحية.
وعندما تجتمع هذه الأصول في الخطاب، ترتقي الكلمة إلى مرتبة الأمانة الشرعية، وتصبح أقدر على إدارة الحوار، وتقريب وجهات النظر، ورعاية المصالح العامة.
الضبط الشرعي يوجه الاختلاف الاجتهادي
يقود الضبط الشرعي الاختلاف الاجتهادي إلى مساره الصحيح، فيجعل الوحي مرجعه، والدليل ميزانه، ومقاصد الشريعة هاديه. وفي هذا الإطار يتسع مجال الاجتهاد فيما تحتمله الأدلة، فتتنوع الأنظار في فهم النصوص وتنزيل الأحكام على الوقائع، مع بقاء المرجعية واحدة، والغاية مشتركة.
وقد أرشد القرآن إلى هذا المنهج بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، كما وجه إلى الرجوع إلى أهل العلم بقوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. فاجتمع ردُّ النزاع إلى الوحي، واحترام مراتب العلم، ليبقى الاختلاف الاجتهادي عاملَ إثراءٍ للفقه، واتساعٍ في النظر، وإظهارٍ لسعة الشريعة.
ومن هذا المنهج نشأ أدب الاختلاف بين العلماء، فاجتمع تعظيم النصوص، وتحري الدليل، والإنصاف، واحترام المخالف، والرجوع إلى الحق متى ظهر برهانه. وبهذا يتحول الاختلاف إلى قوةٍ علميةٍ تبني الفقه، وتجمع الأمة على أصولها، وتمهد لتحمل مسؤولية الكلمة مع اتساع وسائل نشرها.
اتساع الانتشار يضاعف مسؤولية الكلمة
كلما اتسعت دوائر انتشار الكلمة، تعاظم أثرها، واتسعت مساحة مسؤوليتها؛ لأن الكلمة تمتد آثارها إلى تشكيل الرأي، وبناء الوعي، وتوجيه السلوك، والتأثير في الأفراد والمجتمعات. ومن ثم أصبحت مسؤولية صاحبها بقدر ما تبلغ كلمته من الناس، وبقدر ما تتركه من أثر في الفكر والواقع.
ولهذا تبقى أحكام الشريعة وآدابها حاكمةً لكل صورة من صور التعبير ووسائل النشر؛ فيقود التثبت تداول الأخبار، ويزين الصدق مسار البيان، ويضبط العدل والحكمة أسلوب الخطاب، وتوجه مقاصد الشريعة ومآلات الأقوال أثر الكلمة وغايتها. وبهذه الأصول تحفظ الكلمة رسالتها، ويظل تأثيرها منسجمًا مع هداية الوحي، مهما تنوعت الوسائل، أو اتسعت مجالات الانتشار.
وبذلك تلتقي حرية الرأي مع مسؤولية التعبير، ويجتمع صدق الفكرة مع أمانة الكلمة، فيغدو التعبير رسالةً تبني الوعي، وتعزز القيم، وتسهم في تحقيق الهداية والإصلاح والعمران. وقد أحسن من قال: «تكلَّموا تُعرَفوا؛ فإنَّ المرءَ مخبوءٌ تحت لسانِه» (أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر، ج2، ص230).
ختامًا، تتجلى حرية الرأي والتعبير في الإسلام جزءًا من التصور الإسلامي الشامل للإنسان والحياة؛ فهي ثمرة التكريم، وهداية الوحي، ورشد العقل، وسمو الأخلاق، ووحدة المقصد. وبهذا التوازن تبقى الكلمة أداةً لبناء الإنسان، وإقامة العدل، وإحياء القيم، وتحقيق العمران، فتجتمع فيها حرية التعبير مع أمانة البلاغ، ويتكامل فيها حق الإنسان في البيان مع مسؤوليته أمام الله والناس. وذلك هو النموذج الذي يهب الحرية معناها، ويمنح الكلمة رسالتها، ويجعلها جديرة بأن تكون شاهدًا للحق، لا صدى للهوى.