قبل سنوات قليلة كان من يبحث عن فتوى شرعية يتجه إلى عالمٍ معروف أو مؤسسة علمية موثوقة، أما اليوم فيكفي أن يفتح هاتفه حتى يجد عشرات الإجابات المتباينة أمامه خلال دقائق. وبين مقطع قصير ومنشور متداول وبث مباشر، أصبحت الفتوى واحدة من أكثر الموضوعات حضورًا في الفضاء الرقمي، لكنها أصبحت أيضًا من أكثرها عرضة للاضطراب وسوء الفهم.
هذه الفوضى لا تكشف فقط عن حجم التحول الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي، بل تطرح سؤالًا أعمق يتعلق بكيفية صناعة الفتوى نفسها: من يملك حق الإفتاء؟ وما الأدوات التي يحتاجها المفتي لفهم النصوص والواقع معًا؟ وكيف يمكن التمييز بين الاجتهاد المنضبط والرأي العابر؟ وهي أسئلة تزداد أهميتها اليوم مع تعقّد القضايا المعاصرة وتسارع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، الأمر الذي يجعل التأهيل العلمي المتخصص في صناعة الفتوى أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة منهجية الإفتاء وضوابطها، وفهم العلاقة بين النصوص الشرعية ومقاصدها وواقع الناس، حتى لا تتحول الفتوى إلى ردود أفعال متسرعة أو اجتهادات منفصلة عن سياقاتها، بل تبقى أداةً للهداية وبناء الوعي وترشيد الحياة.
كيف غيّرت وسائل التواصل طبيعة الإفتاء؟
منابر بلا حدود وجمهور بلا حواجز
لم تعد الفتوى اليوم حبيسة المجالس العلمية أو المؤسسات المتخصصة كما كان الحال في السابق، بل أصبحت تنتقل عبر منصات رقمية يصل تأثيرها إلى ملايين الأشخاص في لحظات معدودة. وقد أتاح هذا التحول فرصًا كبيرة لنشر المعرفة الشرعية وتقريب العلماء من الناس، لكنه في الوقت نفسه فتح المجال أمام حالة غير مسبوقة من التزاحم على الحديث باسم الدين.
ففي الماضي كانت عملية الإفتاء تمر غالبًا عبر مسارات واضحة ومراجع معروفة، أما اليوم فقد أصبح المتابع يتلقى أحكامًا وآراءً متعددة من مصادر مختلفة، بعضها صادر عن علماء ومتخصصين، وبعضها الآخر عن صناع محتوى أو متحدثين يفتقرون إلى التأهيل الشرعي الكافي. ومع غياب القدرة لدى كثير من المتابعين على التمييز بين هذه المستويات المختلفة من الخطاب الديني، بدأت تتشكل حالة من الالتباس جعلت الوصول إلى الفتوى الموثوقة أكثر صعوبة رغم وفرة المحتوى وسهولة الوصول إليه.
سرعة الانتشار تتفوق على سرعة التحقق
من أبرز التحديات التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي أن المعلومة لم تعد تحتاج إلى وقت طويل حتى تنتشر، بينما ما زالت عملية التحقق منها تحتاج إلى قدر من التأمل والبحث والفهم. وهذا الخلل بين سرعة النشر وبطء التحقق يجعل الفتوى أكثر عرضة للاقتطاع وسوء الفهم وإعادة التداول خارج سياقها الأصلي.
فقد يُقتطع جزء من فتوى طويلة أُعطيت لواقعة محددة، ثم يُنشر على أنه حكم عام يصلح لكل زمان ومكان. وقد يتحول مقطع لا يتجاوز دقيقة واحدة إلى مرجع يتناقله الآلاف دون معرفة السؤال الذي بُنيت عليه الإجابة أو الظروف التي أحاطت بها. ومع الوقت تتراكم هذه المقاطع والاقتباسات المختصرة لتصنع صورة مشوشة عن الأحكام الشرعية، فيظن المتابع أنه أمام تناقضات في الفتوى، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في غياب التصور الكامل للمسألة وسياقها.
ولهذا أصبحت الحاجة اليوم أكبر إلى فهم منهجية الإفتاء وآليات تنزيل الأحكام على الوقائع، لا الاكتفاء بتلقي النتائج المجتزأة التي تفرضها طبيعة المحتوى السريع في المنصات الرقمية٠ط٧
لماذا تتعارض الفتاوى أمام المتابع العادي؟
اختلاف الوقائع لا يعني بالضرورة اختلاف الدين
من أكثر الأسباب التي تجعل المتابع يشعر بالحيرة أمام الفتاوى المتداولة اعتقاده أن اختلاف الإجابات يعني وجود تناقض في الأحكام الشرعية نفسها، بينما الواقع أن كثيرًا من الفتاوى تختلف لاختلاف الوقائع والظروف التي نزلت عليها. فالفتوى ليست مجرد نقل لحكم فقهي مجرد، بل هي عملية مركبة تبدأ بفهم السؤال وتنتهي بتنزيل الحكم على واقع محدد بأشخاصه وملابساته وآثاره.
ولهذا قد يُسأل مفتيان عن قضية تبدو متشابهة في ظاهرها، لكن اختلاف بعض التفاصيل المؤثرة في كل حالة يقود إلى اختلاف الجواب. كما أن تغير الأعراف والأنظمة والظروف الاجتماعية والاقتصادية قد يجعل بعض الأحكام التطبيقية تختلف من بيئة إلى أخرى، دون أن يعني ذلك تغييرًا في أصول الشريعة أو ثوابتها. غير أن طبيعة المحتوى المختصر في وسائل التواصل غالبًا ما تخفي هذه التفاصيل، فلا يرى المتابع إلا النتيجة النهائية، فيبدو له الأمر وكأن الفتاوى متناقضة، بينما يكمن الفرق الحقيقي في اختلاف الواقع الذي صدرت بشأنه.
الخلط بين الفتوى والرأي الشخصي
زاد الفضاء الرقمي من مساحة التعبير وإبداء الرأي، وهو أمر إيجابي في كثير من المجالات، لكنه أوجد أيضًا خلطًا متكررًا بين الرأي الشخصي والفتوى الشرعية. فليس كل حديث في الشأن الديني يُعد فتوى، كما أن امتلاك ثقافة شرعية عامة لا يعني امتلاك الأهلية العلمية التي تخوّل صاحبها الإفتاء في النوازل والقضايا المركبة.
فالفتوى عملية علمية تتطلب معرفة بالنصوص الشرعية، وأدوات الاستنباط، ومقاصد الشريعة، وأحوال الناس وواقعهم، بينما قد يكون الرأي الشخصي مجرد انطباع أو قراءة جزئية للمسألة. وعندما تختلط هذه المستويات المختلفة أمام الجمهور، يصبح من الصعب التمييز بين العالم الذي يتحدث وفق منهجية علمية راسخة، وبين من يقدّم اجتهادات أو آراء لا تستند إلى التأهيل الكافي.
ومن هنا تنشأ كثير من صور الاضطراب في الفضاء الرقمي؛ إذ يتعامل بعض المتابعين مع جميع الأصوات بوصفها متساوية في القيمة العلمية، بينما الحقيقة أن الإفتاء من أكثر المجالات التي تحتاج إلى تأهيل معرفي ومنهجي دقيق، خصوصًا في عصر تتشابك فيه القضايا الشرعية مع تحولات اجتماعية واقتصادية وتقنية متسارعة.
ما المخاطر التي تنتج عن فوضى الفتاوى؟
اهتزاز الثقة بالمرجعية الشرعية
- حيرة الجمهور أمام تضارب الفتاوى.
- التشكيك في العلماء والمؤسسات العلمية.
- صعوبة التمييز بين المتخصص وغيره.
اختزال القضايا المعقدة في إجابات سريعة
- طبيعة السوشيال ميديا القائمة على السرعة والاختصار.
- غياب التصور الكامل للواقعة.
- انتشار الأحكام المجتزأة والمقاطع المقتطعة.
صناعة الاستقطاب والانقسام الديني
- تحول بعض الفتاوى إلى مادة للجدل والمشاحنات.
- توظيف الأحكام الشرعية في المعارك الإعلامية والرقمية.
- انتقال النقاش من البحث عن الحق إلى الانتصار للرأي أو للشخص.
ما الصفات التي يحتاجها المفتي في العصر الرقمي؟
- العلم الشرعي المؤصل
- فهم القرآن والسنة.
- أدوات الاجتهاد والاستنباط.
- معرفة الخلاف الفقهي وقواعد الترجيح.
- التأهيل العلمي المنهجي.
فقه الواقع والتحولات المعاصرة
- فهم السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
- استيعاب أثر التكنولوجيا والإعلام والذكاء الاصطناعي.
- إدراك طبيعة النوازل والقضايا المستجدة.
- تحقيق المناط وتنزيل الأحكام على الوقائع.
القدرة على الموازنة بين الثوابت والمتغيرات
- الجمع بين النصوص والمقاصد.
- الحفاظ على ثوابت الشريعة.
- استيعاب المتغيرات المعاصرة دون تفريط.
- تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
وقد نبّه عدد من الباحثين إلى أن الخلل لا ينشأ فقط من تجاهل النصوص الشرعية، بل قد ينشأ كذلك من تجاهل الواقع الذي تُنزّل عليه الأحكام، أو من الإفراط في مراعاته على حساب الثوابت. وهو ما يجعل الموازنة بين المرجعية الشرعية ومتغيرات المجتمع من أهم التحديات التي تواجه الفتوى المعاصرة. ويمكن التوسع في هذه الفكرة من خلال مقال “عقدة الواقعية بين فقه متصلب وفكر يدعي الحداثة“.
الخاتمة
لم تعد التحديات التي تواجه الفتوى في عصر السوشيال ميديا مرتبطة بندرة المعرفة أو صعوبة الوصول إليها، بل أصبحت مرتبطة بكيفية التمييز بين الفتوى المنضبطة والآراء المتداولة وسط فضاء رقمي مفتوح للجميع. فكلما ازدادت سرعة تداول المحتوى، ازدادت الحاجة إلى منهجية راسخة تجمع بين فهم النصوص الشرعية واستيعاب الواقع المتغير، وتحافظ على التوازن بين الثوابت والمستجدات.
ومن هنا تبرز أهمية التأهيل العلمي المتخصص الذي لا يكتفي بتقديم الأحكام، بل يركز على بناء العقلية القادرة على فهم صناعة الفتوى وآلياتها وضوابطها. وفي هذا السياق تأتي البرامج العلمية المتخصصة، مثل دبلوم صناعة الفتوى، لتزويد الدارس بأدوات الاجتهاد المنضبط، وتعزيز وعيه بالمقاصد الشرعية وفقه الواقع، بما يساعده على فهم القضايا المعاصرة والتعامل معها بمنهجية علمية متوازنة. فالمستقبل يحتاج إلى من يجيد صناعة الفتوى بقدر ما يجيد نقلها، وإلى من يمتلك البوصلة العلمية القادرة على الإرشاد وسط عالم سريع التغير ومتزايد التعقيد.