حين يلتقي بن نبي بأبو سليمان – نحو هندسة نهضوية تولد من الإنسان والمنهج معاً
شيماء الحيالي
في كل مرحلة من مراحل التاريخ، تولد أسئلة كبرى تعكس قلق الإنسان وحيرته أمام الواقع، ولعل العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين لم يعرف سؤالاً أكثر حضوراً وإلحاحاً من سؤال: ما سبب تخلفنا؟ وكيف ننهض؟ هذا السؤال شكل محوراً هاماً لكبار المفكرين الذين سعوا – كلٌ من زاويته الفكرية – في تشخيص حالة الانحطاط الحضاري وتقديم طريق للخروج منه، ومن بين أبرز هؤلاء: مالك بن نبي، المفكر الجزائري الذي جعل من تحليل الإنسان المسلم وبيئته الثقافية مفتاح لكل تغيير؛ وعبد الحميد أبو سليمان، المفكر الماليزي/السعودي الذي رأى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إصلاح المنهج العقلي، والاجتهاد، وطريقة التفكير. ورغم اختلافهما في الاتجاهات والمنطلقات، فإن بين المشروعين تكامل عجيب يتجلى كلما أردنا فهم الإشكال الحضاري فهما شاملا، فبن نبي ينحت مشروعاً يبدأ من الروح والثقافة، بينما يضع أبو سليمان أسس مشروع يبدأ من العقل والمنهج، ومن خلال جمع المشروعين معاً، يمكن تشكيل رؤية نهضوية ترتكز على الانسان المتفاعل والمنهج الفعال، بالتالي لدينا أمة قادرة على استعادة دورها الحضاري.
بين إصلاح الإنسان وإصلاح المنهج:
حين نقرأ مالك بن نبي، نشعر أننا أمام مفكر يكرر بثبات أن النهضة لا تُستورد، بل تُولد من الداخل. كان يرى أن كل حضارة تبدأ بفكرة، وأن هذه الفكرة تتحول داخل الإنسان إلى قوة دافعة، ثم تُترجم إلى سلوك جماعي، ثم إلى مؤسسات، لكن هذه السلسلة – بحسبه – لن تبدأ ما لم يتحرر الإنسان من القابلية للاستعمار، المرض الداخلي الذي يجعل الأمة مهزومة حتى قبل أن يقترب منها المستعمر، فالإنسان المفرغ من قيمه والذي لا يثق في قدرته، لا يمكن أن يصنع حضارة مهما امتلك من ثروات الأرض، ولهذا نرى أنه ركز على العلاقات الاجتماعية، وعلى إعادة تشكيل الثقافة، وإحياء الأخلاق بوصفها الأساس الذي تُبنى عليه أية نهضة؛ إذ لم يكن يرى أن تحسين الاقتصاد أو تحديث الجيش بالنسبة له سوى نتائج لاحقة، أما البداية الحقيقية فهي الإنسان نفسه: وعيه، ادراكه، وصورته عن نفسه، وإيمانه بقدرته على الفعل.
وفي الضفة المقابلة، نجد أن أبو سليمان، المفكر الذي انطلق من سؤال مختلف: هل يمكن لأمة أن تنهض بمنهج تفكير لم يتطور منذ قرون؟ إذ كان يؤمن أن كثيراً من مشكلات العالم الإسلامي ليست مشكلات أخلاقية أو نفسية فحسب، بل هي أزمة منهج علمي، فالأمة في نظره لا تزال تفكر بأدوات العصور الماضية، بينما العالم يتغير من حولها!!
الأمر الذي أدى إلى جمود فقهي وفكري وشلل في اتخاذ القرار، وعجز في بناء المؤسسات المعاصرة لذلك كان أبو سليمان يدعو إلى إصلاح جذري للعقل والمنهج كان يريد عقلاً قادرا على استيعاب الواقع في إنتاج حلول جديدة، لا مجرد استرجاع حلول الماضي، وذلك من خلال إعادة قراءة التراث وتحرير الفكر من التقليد وبناء الاجتهاد، وربط الشريعة بمقاصدها التي تحرك الحياة نحو العمران
ومع أن المسارين يبدوان مختلفين، إلا أن خطاهما تلتقيان في المنتصف، فبن نبي حين يتحدث عن الإنسان لا يتجاهل أن هذا الإنسان بحاجة إلى منهج يوجه فاعليته. وأبو سليمان حين يتحدث عن المنهج، لا يغفل أن المنهج نفسه لا قيمة له إن لم يحمله إنسان ناضج وقوي ومدرك، قد تحرر من القابلية للاستعمار ومن سلوكيات التخلف إنها علاقة تشبه علاقة الروح بالعقل ، إذ إن الروح تعطي الإرادة، والعقل يعطي الاتجاه، وكلاهما ضروري للنهضة، فلو أخذنا من بن نبي الفكرة الدافعة التي تحرك الإنسان، وأضفنا إليها من أبو سليمان المنهج المنظم الذي يوجه هذه الحركة، سنحصل على مشروع نهضوي أكثر تماسكاً مشروع يبدأ من نفس الإنسان ويتجلى في مؤسسات المجتمع، مشروع يضع الثقافة الأخلاقية في القلب، لكنه لا يتوقف عندها؛ بل يمدها بأدوات التفكير العلمي.
الفاعلية الفردية والفاعلية المؤسسية:
فالفكرة التي يتحدث عنها بن نبي تبقى مجرد ومضة نفسية إن لم تُترجم إلى دولة ومؤسسات وبرامج تعليمية واجتماعية، والمؤسسات التي يريدها أبو سليمان تظل هياكل جامدة إن لم تُغذى بروح حضارية تعطيها المعنى والغاية، هكذا يصبح الطريق إلى النهضة طريقا ذا جناحين:
- جناح يبني الإنسان من الداخل يحرره من الهزيمة النفسية ويعيد إليه ثقته.
- وجناح يبني العقل والمؤسسات من الخارج، فيعيد للنظام الاجتماعي قدرته على الفعل.
إذن من خلال هذا التمازج نستطيع أن نرى المستقبل بعين أكثر اتزاناً نهضة تتجه إلى الداخل والخارج في آن واحد، فهي خارطة طريق حضارية تجمع بين الأخلاق والعلم، بين الروح والمنهج، بين الفكرة والمؤسسة، بين الإيمان والعمل، بالتالي يتكامل مشروع بن نبي الذي يبدأ من الذات، مع مشروع أبو سليمان الذي يبدأ من الأدوات فالأمة لا تنهض بإصلاح النفس وحدها، ولا بإصلاح المنهج وحده، وإنما بنهضة شاملة تضم الاثنين معاً.